أمّا كتابهُ الأعلامُ فهو أحدُ الموسوعاتِ العلميّةِ المُتقنةِ في هذا العصر ِ، والذي صارَ المرجعَ الأوّلَ للباحثينَ عن التراجم ِ، وبخاصّةٍ أصحابَ الدراساتِ الجامعيّةِ والبحوثِ العلميّةِ لنيل ِ شهاداتِ العالميّةِ والعالميّةِ العاليّةِ - الماجستيرُ والدكتوراه -، وذلكَ لأنَّ مؤلّفهُ استوعبَ - أو كادَ - المشاهيرَ من المُترجم ِ لهم على مرِّ التأريخ ِ، ولم يختصَّ بطائفةٍ دونَ أخرى، أو علم ٍ دونَ علم ٍ، أو عصر ٍ دونَ عصر ٍ، وإنّما جعلَ أساسَ الترجمةِ هو شهرة ُ المُترجم ِ لهُ، وقد لخّصَ وصفَ من يُترجِمُ لهُ بأنّهُ من كانَ صاحبَ علم ٍ تشهدُ لهُ بهِ تصانيفهُ، أو كانَ صاحبَ خلافةٍ أو مُلكٍ أو أمارةٍ، أو كانَ من أصحابِ المناصبِ العُليا والتقدّم ِ إمّا في دولةٍ أو مذهبٍ أو فكر ٍ، أو من تميّزَ بفنٍّ معيّن ٍ حتّى شُهرَ بهِ، أو من كانَ لهُ أثرٌ في العمران ِ يُذكرُ بهِ، أو كانَ لهُ شعرٌ أو مكانة ٌ أو رواية ٌ كثيرة ٌ، أو كانَ أصلَ نسبٍ مشهور ٍ أو مضربَ مثل ٍ، وضابطُ ذلكَ كلّهِ: أن يكونَ الشخصُ المُترجمُ ممّن يتردّدُ ذكرهم ويُسألُ عنهم - الأعلام 1/ 20 - .
ولثِقل ِ هذه المادّةِ واتّساع ِ مجال ِ البحثِ فيها، وكثرةِ مواردها ومصادرِها، وتنوّع ِ التخصّصاتِ للمُترجمينَ واختلافِ طبقاتِهم، كانَ لِزامًا على المؤلّفِ أن يبذلَ جُهدًا مّضنيًا في حصر ِ المادّةِ أوّلًا، ثمَّ فرز ِ ذلكَ كلّهِ وتنقيحهِ، ثُمَّ تنفيذِ الكتابةِ على وجهِ الاختصار ِ المُشبع ِ، ثُمَّ مراجعةِ ذلكَ مرّة ً أخرى، ثُمَّ الإتمامُ والإلحاقُ، وهكذا، فقضى في سبيل ِ تحقيق ِ هذا الهدفِ وبلوغ ِ تلكَ الغايةِ أكثرَ من أربعينَ سنةٍ، ما بينَ إنشاءٍ وإضافةٍ وتعديل ٍ وإصلاح ٍ وتوسيع ٍ - الأعلامُ 1/ 13 - ، واستعانَ بمجموعةٍ كبيرةٍ من المراجع ِ ما بينَ مخطوطٍ ومطبوع ٍ، ودوّريّاتٍ ومطبوعاتٍ إعلاميّةٍ، جمعها وأتى على ذكرِها في خاتمةِ كتابهِ، وقد استغرقتْ زهاءَ ثمانينَ صفحةٍ من القطع ِ الكبير ِ، وهذا عددٌ ضخمٌ جدًا، خاصّة ً وأنَّ أكثرَ ما ذُكرَ من المراجع ِ لا يكادُ يتهيأ لكبار ِ الباحثينَ المُختصّينَ من أهل ِ هذا العصر ِ، فضلًا عن عامّةِ القرّاءِ.
واشتملَ الكتابُ كذلكَ على عددٍ كبير ٍ من الصّور ِ لمن ترجمَ لهم، وكذلكَ على مجموعةٍ من الخطوطِ الخاصّةِ بهم، جمعها من بطون ِ الكتبِ، واستخرجها من أقبيةِ مراكز ِ المخطوطاتِ في العالم ِ.
هذه السعة ُ في المواردِ والكثرة ُ في عددِ التراجم ِ، إضافة ً إلى الجهدِ الكبير ِ المبذول ِ في سبيل ِ تحرير ِ الكتابِ وتنقحيهِ ومُحاولةِ استيعابِ الأعلام ِ، جعلتْ لهذا الكتابِ شهرة َ طاغية ً ومكانة ً عالية ً لدى أهل ِ العلم ِ والبحثِ، فأثنوا عليهِ وعلى مؤلّفهِ، وأنزلوهُ المنزلة َ اللائقة َ بهِ، وفي ذلكَ يقولُ الطنطاويُّ - رحمهُ اللهُ:"وانصرفَ - أي الزّركليُّ - إلى التأليفِ فتركَ كتابًا من أعظم ِ ما ألّفَ في هذا العصر ِ، وهو الأعلامُ"- الذكرياتُ 1/ 229، ويقولُ أيضًا:"خيرُ الدين ِ الزركليُّ مؤلّفُ الكتابِ العظيم ِ الأعلام ِ، أحدُ الكتبِ العشرةِ التي يُفاخرُ بها هذا القرنُ القرونَ السابقاتِ"- الذكريّاتُ 1/ 125.
وقالَ حمدُ الجاسر ِ - رحمهُ اللهُ:"كتابُ الأعلام ِ لأستاذِنا أبي الغيثِ خير ِ الدين ِ الزركليِّ، أوفى كتابٍ حديثٍ في التراجم ِ فيما أعلمُ، فهو عصارة ُ فكر ِ بحّاثةٍ جليل ٍ، قلَّ أن يُضاهيهُ في سعةِ اطّلاعهِ على المؤلّفاتِ قديمِها وحدِيثِها، وهو خلاصة ُ مئاتٍ من الكتبِ والمطبوعاتِ ألّفتْ في التراجم ِ، بحيثُ يصحُّ القولُ بأنَّ الأعلامَ من مفاخر ِ عصرنا الثقافيِّ"- مجلّة ُ العربِ 5/ 93 - 94 نقلًا عن الإعلام ِ بتصحيح ِ كتابِ الأعلام ِ 13 وانظرْ هناكَ المزيدَ من النّقول ِ في الثناءِ على الكتابِ -.
وحسبُكَ بهذا الكلام ِ في الدّلالةِ على عِظم ِ كتابِ الأعلام ِ، فقد صدرَ من باحثٍ شهير ٍ ورجل ٍ سبرَ أغوارَ الكتبِ والمراجع ِ، وهو العلاّمة ُ الجاسرُ - رحمهُ اللهُ -.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)