ذلك ما خطر ببالك أن تمرّ عليه، أ عاصرته أم لا؟ أ سمعتَ منه؟ إذن المعاصرة لا تقتضي السماع، أريد أن تركزوا لأن هذا بحث مهم ومفيد وأنا أعتذر للإخوة الذين جاؤوا وهم يطمعون بدروس في الرقائق ويسمعوا كلامًا مفهومًا فإذا بهم يفاجئوا بهذا الدرس، فنحن على شرطنا القديم كل يوم أثنين لصيد الخاطر أو الدروس العامة، ويوم أثنين لمصطلح الحديث، علم تصحيح الأخبار، فإذا كان أحد الأخوة جاء ليسمع كلامًا في الرقائق أو المواعظ، فأرجو أن يتصبر ولا يقوم من المجلس ضجرًا لأنه لا يفهم، لأنه سيفهم إن شاء الله. ولعلكم تذكرون الرجل الذي وافانا من البحيرة قبل رمضان، ا هو موجود أم لا؟ وهذا الرجل يحضر مصطلح الحديث وكان قد أتى ليحضر محاضرة عادية فقال لي، ولعلكم تذكرون قوله: (تكلم كلام مفهوم أنا غير فاهم ولا كلمة) فكنتُ أصبّره وأقول إننا اقتربنا من الانتهاء من المحاضرةـ وسوف أقول كلامًا مفهومًا، فمرتْ المحاضرة بسلام، ووجدته في المرة التي تلتها في مصطلح الحديث جالسًا، ورأيته أكثر من ثلاث مرات يحضر معنا مجالس مصطلح الحديث، لأنه هذا علم جليل والذي يفتح قلبه وعقله، سيغير كثيرًا من نمط حياته، فأنا أرجو من إخواننا الذي حضروا ولم يهيئوا أنفسهم للسماع أن يتصبروا قليلًا، وسأحاول أن أيسر هذا البحث بقدر الإمكان، ولا أستطيع بطبيعة الحال أن أستوفي البحث كله، لأن البحث عضل وبه مشاكل كثيرة، فأنا سأعطي إطلالة عامة وربما نعود إليه مرة بعد مرة. ذكرنا أن البخاري رحمه الله لابد- حتى يصحح رواية راوٍ من شيخه- أن يكون هذا الراوي قال مرة واحدة في إسناد صحيح، حدثني فلان، وذكرنا الآن أن المعاصرة لا تقتضي السماع، في هذا المثال الذي ذكرناه وتستطيع أن تضيف لهذا المثال أمثلة أخرى شبيهة به مثل الشيخ الألباني كان معاصرًا لنا، وأكثر الطلبة لم يروه، الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، رحمة الله على الجميع، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، كل المشايخ هؤلاء عاصرناهم، وكثير منا لم هؤلاء، لكن أنا تكلمت عن الشيخ محمود شاكر، حتى أقول إن هذا مصري ويسكن في القاهرة، بينما الشيخ الألباني ساكن في الأردن، فأنت لكي تذهب إلى الأردن تحتاج تصريحا وتذكرة ومال .. لهذا سهلتً عليك المسألة وقلت لك أن تنزل القاهرة مرة أو اثنتين وثلاث في الأسبوع وتكون بجانب بين الشيخ محمود شاكر ومع ذلك لم تلق الشيخ. فالمعاصرة إذن لا تقتضي السماع؛ لأجل هذا قال البخاري يرحمه الله: أنا لابد أن أحقق سماع كل راوٍ من شيخه، وكثيرًا ما تراه في كتاب (التاريخ الكبير) يقول: فلان لم يذكر سماعا من فلان، فالعلماء بالنظر في صحيح البخاري، وفي كتاب (التاريخ الكبير) وفي الأحاديث التي نقلها الترمذي وغيره عن البخاري، وفيها إعلالٌ بالانقطاع، لاحظوا أن البخاري يشترط ذلك لتصحيح الحديث. مسلمٌ عارض ذلك وأنكر أشدّ الإنكار هذا الكلام ونسب قائله إلى الجهل بمذاهب السلف في هذه المسألة، وهذا مما يقع على قلبي أن مسلمًا ما قصد البخاري ولا علي بن المديني، العلماء يقولون مَن يا ترى قصده مسلمٌ بكلامه عندما تكلم بكلام شديد يردّ هذا الشرط؟ فمن قائل يقصد علي بن المديني، ومن قائل يقصد الإمام البخاري، والذي يقع على قلبي أنه لا يقصد واحدًا من هذين، إنما يقصد رجلًا آخرَ نابهًا في عصره، ولكن ليس له شهرة البخاري وليس له شهرة علي بن المديني، وإن كان رجلا محترمًا في علمه، حتى إن مسلمًا انتصب للردّ عليه، ولذلك لم يُسمّه مسلم، بل عرّض به تعريضًا يدل على وضاعة مكانته، وأنه لم يكن معروفا تلك المعرفة في ذلك الزمان، وإن كان رجلًا نابهًا في نفس الوقت وهو يقول: (وقد تكلم بعض منتحلي الأخبار من أهل عصرنا) ولا يقال هذا الوصف لا للبخاري ولا لعلي بن المديني، وإنما يقال كما قلت لرجل نابهٍ وإن لم يكن في الشهرة كهؤلاء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)