الحمد لله خير ما بدئ به الكلام وختم , سبحانه! لا منتهى لعطاياه ومنحه , أحمده حمدًا يقوم بالواجب من شكره , ويحسن به التخلص من هوى النفس , وتسلط الشياطين , إلى حسن الختام , وأصلي , وأسلم على خير الأنام - سيدنا محمد خير من دعا إلى الله على بصيرة , وتركنا على شريعة واضحة منيرة , وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له , الذي أحسن ابتداء خلقنا بصنعته , وشرع لنا ما ينفعنا بحكمته , وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله , وهدايته إلى خلقه ورحمته أما بعد:
فإن دارس العلم لا يعيش بمعزل عن مجتمعه , لأن العلم وُجد لينفع , ونعوذ بالله من علم لا ينفع ...
وإن من شأن أي مجتمع كثير الأفراد , متعدد الطبقات أن يعج بالكثير من المشاكل , والأمراض الاجتماعية , وإن من أخطر هذه المشاكل - في نظري اليوم - قضية الديون , والقروض التي أحاطت بالناس - وبخاصة الشباب - فقد أريد لهؤلاء الفتية أن يقترضوا , وفتحت لهم الأبواب على مصراعيها قصدا لأخذ القروض ليس تيسيرًا عليهم كما يُدَّعَى , ولكن لإدخالهم في دائرة لا يخرجون منها حتى تشيب منهم النواصي , والعلة الجاهزة للرد على المحذرين هي أن القرض شيء مباح في الإسلام , لذلك شمرت عن ساعد الجد في دراسة هذه الآية , لأن الأمر - في نظري - خرج من دائرة المعاملات إلى دائرة القضايا الاجتماعية التي تؤثر بالسلب على المجتمع , وتشيع فيه روح المذلة , والخضوع , والانشغال بالديون وسدادها عما يدور حولهم من مشكلات تنال من دينهم قبل أن تنال من وطنهم.
ولقد أًصبح شبابنا اليوم أسيرًا لهذا الغول الذي انتشر في المجتمع , ولا يكاد يخلو بيت منه.
فإذا أضفنا إلى ذلك الربا الذي ألحق بهذه المعاملات , والتي تسمى فوائد القرض رأينا أنفسنا أمام مخطط لإلهاء الناس , وإخضاعهم , بل واستعمارهم , ومن لم يأخذ دينا وضعت أمامه كماليات الدنيا يحوذ منها ما يشاء مع تقسيط ثمنها على فترات متباعدة , وهذا ضرب من الديون الخفية التي لا يكاد يسلم منها أحد.
وإذا تتبعت المشاكل اليومية , والقضايا المرفوعة أمام المحاكم لعلمت أن أكثرها يرجع إلى هذا الأمر , حتى تحللت عُرى المجتمع , وانتقض غزله , وذهبت قوته في خلافات ترجع كلها إلى الديون.
لذلك كله , ولغيره أيضًا جعلت هذه القضية محل بحثي في ضوء آية الدين , وهي آية جامعة مانعة , فتناولتها من الوجهة اللاغية التحليلية , لبيان منهج الله تعالى في شأن الديون , وعلاقة ذلك بما يفعله الناس , ولقد وددت من خلال هذه الدراسة أن أصرخ في الناس لينتبهوا إلى خطورة ما هم واقعون فيه.
ولقد تناولت في بحثي آية الدين من عدة محاور:
أظهرت في البداية موضع الآية من خلال سورة البقرة , وأنها جاءت بعد تمهيد للنفوس بالإيمان؛ لتتلقى الأوامر بالقبول.
ثم أظهرت علاقة الآية بمقصود السورة الأعظم , وهو - كما تبين لي - الإيمان بالغيب فهو الباعث والمحرض على الالتزام والقبول بكل التكاليف.
ثم تناولت السياق الخاص العام والخاص للآية , فالآية تدور في فلك الضوابط التي تحفظ المجتمع من الانهيار اقتصاديًا, وتضمن له القوة الحامية للعقيدة الصافية.
ثم تناولت وجه الطول لهذه الآية وكشفت عن أن هذا الطول ما هو إلا إشارة إلى المشاق التي تكتنف هذه المعاملات , لذلك مزجتْ الآية بين التكليف والباعث عليه:
فالتكليف مثل: (فاكتبوه _ واستشهدوا) .
والباعث والمحرض مثل: (كما علمه الله - وليتق الله ربه .... إلخ) .
ثم قمت بتحليل الآية جملةً جملة , وكلمةً كلمة , ووضعت لكل جملة أو تركيب عنوانًا يبرز أهم ما في التركيب من أسلوب بلاغي , وأظهرت من خلال هذا التحليل أن هناك خيطًا يسلك كل لفظة , وكل جملة , وكل أسلوب , ولا يضيع هذا الخيط من اليد أبدًا بداية من أول الآية وحتى ختامها.
وهذا الخيط هو
التضييق , والتشديد , ووضع القيود على الديون لتنفير الناس منها , ووضعها في أضيق الحدود؛ حتى لا تشيع في المجتمع المسلم
ثم بعد هذا التحليل حاولت الوقوف على ما في الآية من نغمات , وبينت علاقة هذه النغمات بالغرض الذي تهدف إليه الآية , وأن هذه النغمات رافد مهم من روافد المعنى , وخيط بارز من خيوط النسيج داخل الآية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)