الصفحة 350 من 500

أن لا أمنع سائلا شيئا فقالت:

لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا

فقولا لهذا اللائم الآن اعفني ... فإن أنت تفعل فعض الأصابعا

فهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا

قال عدي بن حاتم: كان حاتم رجلا طويل الصمت، وكان يقول: إذا كان يكفيك تركه فاتركه.

وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبرت الآفاق، فضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة، وراحت الإبل حدبا حدابيس، وحلقت السنة المال، وأيقنا أنه الهلاك، فو الله إنّا لفي صنبر (ليلة شديدة البرودة) بعيدة ما بين الطرفين إذا تضاغى أصبيتنا من الجوع: عبد الله، وعدي، وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين وقمت إلى الصبية، فو الله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني بالحديث فعلمت الذي يريد، فتناومت، فلما تجورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فذهب ثم عاد، فقال: من هذا؟ فذهب، ثم عاد في آخر الليل، فقال: من هذا؟

فقال: جارتك فلانة أتتك من عند أصبية تعاوون عواء الذئاب من الجوع فما أجد معولا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جنباتها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة، فقال:

شأنك الآن، فاجتمعوا على اللحم، فقال: سوءة أتأكلون دون الصريم، ثم أقبل يأتيهم بيتا بيتا ويقول: هبوا أيها القوم عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع ناحية بثوبه ينظر إلينا، ولا والله ما ذاق منه مضغة وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض إلّا عظم وحافر، فعذلته على ذلك، فقال:

مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت