وهذا ما عليه ظاهر الرواية عند الحنفية أيضًا بالنسبة للبن الأمة، خلافًا لما ذهب إليه أبو يوسف من القول بجواز بيع لبن الأمة باعتباره أحد أجزائها، وحيث كان الأصل يجوز بيعه كان الجزء كذلك.
فقد جاء في بدائع الصنائع:"... ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح عندنا ... لأن اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه ... ثم لا فرق بين لبن الحرة وبين لبن الأمة في ظاهر الرواية، وعند أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه جزء من آدمي هو مال فكان محلًا للبيع كسائر أجزائه ..."1.
فالمستفاد من النص: عدم انعقاد بيع لبن المرأة منفصلًا، وعبر عن هذا بكونه في قدح، معللًا هذا بأن اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه، وأن هذا الحكم يشمل لبن الحرة والأمة على السواء، وذلك في ظاهر رواية الحنفية، خلافًا لما قال به أبو يوسف من جواز بيع لبن الأمة باعتبار مالية أصله فكان اللبن محلًا للبيع كسائر أجزائه.
وجاء في حاشية ابن عابدين:"ولا يجوز بيع لبن امرأة ولو في وعاء، ولو أمة على الأظهر، لأنه جزء آدمي، والرق مختص بالحي ولا حياة في اللبن فلا يحله الرق، قوله"على الأظهر"أي ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف جواز بيع لبن الأمة لجواز إيراد البيع لنفسها فكذا على جزئها، قلنا: الرق حلّ نفسها فأما اللبن فلا رق فيه لأنه يختص بمحل تتحقق فيه القوة التي هي ضده وهو الحي ولا حياة في اللبن، فلا يكون محلًا للعتق ولا للرق فكذا البيع، وأشار إلى أنه لا يضمن متلفه لكونه ليس بمال ..."2.
وجاء في الهداية:"ولا يجوز بيع لبن امرأة في قدح، وقال الشافعي رحمه الله يجوز بيعه لأنه مشروب طاهر، ولنا أنه جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع، ولا فرق في ظاهر الرواية بين الحرة والأمة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه يجوز إيراد العقد على نفسها فكذا على جزئها، قلنا: الرق قد حل نفسها فأما اللبن فلا رق"
1 الكاساني 5/145.
2 ابن عابدين 7/265.