إن المتتبع للنصوص الشرعية يجد أن الشريعة الإسلامية قد حرمت بيع الحر مطلقًا، وأغلقت كثيرًا من منافذ الرق، وفتحت كثيرًا من الأبواب لتحرير الأرقاء، وأن الإطار العام لهذا التحريم هو أن جسم الإنسان سواء كان حيًا أو ميتًا لا يعد من الأموال، وبالتالي لا يجوز بيعه، حتى إن العلامة ابن قدامة قال:"لا نعلم في ذلك خلافًا"1 ولهذا كان المظهر الحقيقي لتكريم الإنسان هو عدم جواز بيع الإنسان الحر، وفي هذا يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} 2 فقد كرم الله سبحانه بني آدم بالنطق، والتمييز، وحسن الصورة، وتسخير سائر الخلق لهم، وفضلهم على غيرهم من البهائم والدواب وغيرهما، فكان الإنسان لهذا مكرمًا، لأنه حامل للأمانة، ولأنه خليفة الله في أرضه، وهو المطالب بالتعمير والإصلاح في ظل شرع الله سبحانه، ولهذا سخر الله سبحانه سائر الخلق له، وجعله مسلطًا على غيره من المخلوقات، ومن هنا لم يخضع الإنسان شرعًا لما يخضع له غيره من جواز بيعه والتصرف فيه، لأن فعل ذلك في الإنسان إذلال، وهذا يتنافى مع أساس تكريمه ورفعته، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى:"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره"3.
وبناء على هذا كان إجماع الفقهاء وجميع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على حرمة بيع الآدمي الحر.
فمذهب الحنفية: النص على أن الآدمي مكرم شرعًا - وإن كان كافرًا - فإيراد
1 المغنى والشرح الكبير 4/302.
2 سورة الإسراء: الآية 70.
3 الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه 4/487.