المذهب الثالث: كراهة بيع لبن الآدميات مطلقًا، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل.
المذهب الرابع: فعلى نحو من التفصيل، حيث يرى جواز بيع لبن الأمة دون الحرة، وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية وبعض الحنابلة.
الأدلة:
استدل القائلون بجواز بيع لبن الآدميات بما يأتي:
أن لبن الآدميات طاهر، وأنه يجوز الانتفاع به خاصة وأنه من حي، ولضرورة تغذية الطفل به، وقد قال الحنابلة في تعليل وجه جواز بيعه أنه منفصل عن حي وهو طاهر منتفع به كلبن الشاة، ولأنه يجوز أخذ العوض عنه كما في إجارة الظئر فأشبه المنافع، فضلًا عن أنه غذاء للآدمي فجاز بيعه كالخبز، وقد وردت آيات في ذات المعنى المقرر هنا وهو إمكان الانتفاع به وجواز اعتباره محلًا للتصرفات ومنها البيع حيث قال سبحانه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} 1 وقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} 2 وقد استرضع النبي صلى الله عليه وسلم لولده إبراهيم، ولأن الحاجة تدعو إليه أكثر من غيره، فإن الطفل في العادة إنما يعيش بالرضاعة، وقد يتعذر إرضاعه من أمه فجاز ذلك على الإجارة في سائر المنافع، فضلًا عن أن اللبن مشروب طاهر فيحل بيعه قياسًا على بيع المشروبات الطاهرة المنتفع بها.
وأنه يكفي في جواز بيع الشيء وجود أصل المنفعة فيه وإن قلّت أو قلّت قيمتها، فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات قياسًا على لبن الغنم فضلًا عن إباحة شرب اللبن وطهارته.
واستدل المانعون لبيع لبن الآدميات بما يأتي: أن اللبن ليس مالًا ولهذا فلا يمكن تداوله، وأنه جزء من الآدمي والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم لا يجوز إهانته وابتذاله بالبيع ونحوه، وهذا عند الحنفية، وقد علل أبو القاسم الأنماطي عدم البيع بنجاسته فضلًا عما تقرر لدى الحنفية من أنه جزء من آدمي فلا يجوز بيعه اعتبارًا بأصله.
1 سورة الطلاق: الآية 6.
2 سورة البقرة: الآية 233.