ففي هذه وأشباهه عظة لهذا الرجل، فإن الذي كان ينبغي له ويليق به أن يبين وجه الصواب مّما قال، ويستدل على صحة ما ادّعاه، وأمّا ما أتى به من الأسجاع الرديئة فإن كان لم يرها قبيحة في حق نفسه فإنها قبيحة وعدم صدق الطريقة التي انتسب إليها فإنه من أقامه الله مَقام الاقتداء، وانتسب للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وجعل في رتبة الإمامة، وحلّ محلّ من تُرجى شفاعته يوم القيامة، فيجب عليه أن يتأدّب بأدب الشرع ويقتديّ بأهله. ولا يضع الشيء في غير محله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلَّم: « أنْزِلُوا النَّاسِ مَنَازِلْهُمْ » [1] وروي أن مالكًا رضي الله عنه كانت أمه ترسله وهو صغير إلى حلقة ربيعة وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلّم من أدبه قبل أن تتعلّم من علمه، وروي عن ربيعة أنه قال: لا تعلموا العلم سفهاءكم فيصرفوا أخلاقهم فيه.
فمن أقامه الله تعالى في تعليم العلم وبثّه للناس والفتيا به واسطة بين الربّ وعباده فيجب عليه أن يشكر مولاه على ما أقامه فيه، ويسأل من ربِّه
التوفيق والتسديد، ويفكّر في جوابه إذا وقف عند ربّه ويسأله عن كل مسألة أفتى فيها وفيما يكون خلاصه.
والبحث في المسائل من أحسن العمل إذا صحّت النية، وكان على طرقة الناس والعلماء، فإن تبينّ الحق وجب الرجوع إليه، وإن وقع اختلاف ولكل واحد من الناظرين وجه صحيح ارتفعت المسألة خلافية كما كانت العلماء العاملون.
والبحث في المسائل الفقهية وإجراؤها على الأصول الصحيحة مع صحّة النيّة من أفضل العبادات وأقرب القربات وأعظم الوسائل إلى الله، فإن اتّعظ هذا الإنسان وانتهى عن حاله وشاور فيما يشكل عليه وبحث وناظر على طريقة الطلبة والعلماء فحسن، وإن عاد لحاله رفعت أمره وبينت حاله في هذا وفيما صَدَرَ منه قبل عند من يجب فقد قيل: إن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُه بالقرآن.
(1) تخريج.