فهرس الكتاب
مناقشة أدلة الرأي الثاني:نوقش دليلهم من السنة من جهتين:
أ ـ ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم وغيرهم - رضي الله عنهم - أن ماعزا ً لما هرب قال لهم: ردوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم:هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه، ففي هذا أوضح دلالة على أنه يقبل رجوعه، وإنما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه؛ لأنه لم يرجع صريحا لأنه هرب وبالهرب لا يسقط الحد (1) ،هذا كله فيمن كلفه السلطان بإقامة حد من الحدود فلا يضمن ما لم يكن متيقنا ً أن السلطان جائر في حكمه، وعلى هذا فلا ضمان على الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنهم مكلفون من النبي - صلى الله عليه وسلم -. (2)
ب ـ أن طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - له لعله دلالة على أن الذي يأمر بإقامة الحد هو الإمام، والذي يأمر كذلك بإسقاطه هو الإمام أو نائبه.
وقد نوقش دليلهم الثاني بما يلي:
ـ أن الحد لزمه بإقراره هو وقد رجع، وكلاهما خبر يحتمل الصدق والكذب، فأصبح شبهة يندرج بها الحد، (3) والأدلة على سقوط الرجوع بالإقرار كثيرة منها: تلقين النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا - رضي الله عنه - بالشبهة التي يندرأ بها الحد، وإذا لم يكن كذلك فما الفائدة من التلقين، وقوله - صلى الله عليه وسلم - للصحابة - رضي الله عنهم - هلا تركتموه لعله يتوب، وما معنى الترك إلا قبول رجوعه.
الرأي الراجح
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومنا قشة ما أمكن مناقشته منها، يظهر أن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من القول: بقبول رجوع المقر عن إقراره ، وذلك للأسباب الآتية:
ـ قوة أدلتهم من المنقول والمعقول.
ـ أن الحد ثبت بإقراره، والرجوع خبر يحتمل الصدق والكذب، فتتحقق الشبهة؛ لأنه ليس أحد القولين أولى بالقبول من الآخر.
(1) تحفة الأحوذي:4/577.
(2) نيل الأوطار:7/103، إثبات الزنا: 743.
(3) تبيين الحقائق:3/167.