الصفحة 114 من 607

ومما يدل على هذا أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - بعدما جلد أبا بكرة ونافع وشبل بن معبد - رضي الله عنهم - قرأ قوله تعالى: { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (1) ،ثم قال للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه:اسكت.أسكت الله نأمتك (2) ، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك (3) وجاء في رواية أخرى، قال عمر- رضي الله عنه: لزياد - رضي الله عنه - أرى وجه رجل لا يفضح رجلًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4) وما ورد أن أبا بكرة - رضي الله عنه - قال: إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟قال عمر - رضي الله عنه:إي والذي نفسي بيده، وليس في هذا تعطيلًا للحد بل فيه تثبت من الشهادة قبل إقامة الحد، ثم إن القاذف هو من يجئ وحده،فإن جاء أكثر من واحد فإما أن يكملوا أربعة أو لا،فإن كملوا أربعة فهي شهادة، وإن لم يكملوا النصاب اعتبروا كالواحد في عدم اعتبار شهادتهم وحدوا للقذف.

ـ وقد يخطأ البعض فيظن أن جلد سيدنا عمر - رضي الله عنه - لأبي بكرة - رضي الله عنه -؛ لأنه كان كاذبا ً، وحاشا واحدا من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون كاذبًا، فالصحابة - رضي الله عنهم - كلهم عدول، وجلد سيدنا عمر - رضي الله عنه - له ليس تكذيبًا له؛ بل تطبيقًا لحد الله- سبحانه وتعالى - عند عدم اكتمال نصاب الشهادة.

(1) النور من الآية 13.

(2) النَّأْمَةُ: النَّغْمَةُ والصَّوْتُ. وأسْكَتَ الله تعالى نأْمَتَه ويقالُ: نامَّتَه مُشددةً أي: أماتَه.القاموس المحيط:2/1528.وقيل: عرق منشؤه من الرأْس ويمتد إِلى القدم وله شرايين تتصل بأكثر الأَطراف والبدن فالذي في الرأْس منه يسمى النَّأْمَةَ ومنه قولهم أَسْكَتَ اللهُ نَأْمَتَه أَي أَماته.لسان العرب:4/81.

(3) ينظر تمام هذه القصة في أحكام القرآن لابن العربي:3/348.

(4) تلخيص الحبير:4/64، المغني والشرح الكبير: 10/91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت