فهرس الكتاب
ـ إن الذي يسقط الحد عن القاذف اعتبار صدقه، وهذا يتأتى بواحد من أمرين: الأمر الأول إقرار المقذوف بالزنا، الأمر الثاني شهادة أربعة من الشهداء، فأما إقرار الصبي والمجنون فغير صحيح، وأما إقرار المكره فهو رافع للحد عن القاذف ولا يجب به إقامة حد الزنا على المقذوف؛ لإكراهه على الفعل، وفي حالة كونه بأربعة شهداء لا يقام الحد عليهم أيضًا، فكيف يقام الحد على القاذف في حال كذبه ،ولا يقام على المقذوف حد الزنا في حال صدق القاذف؟! فصح بهذا أن قذف الصبي والمجنون ليس بقذف موجب للحد وإنما فيه التعزير.
وأما قذف المكرَه، ففيه شبهة يسقط بها الحد عن القاذف، ذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات؛ بيان ذلك أنه كما يسقط حد الزنا عن المكرَه لشبهة الإكراه، كذا يسقط حد القذف عن القاذف لشبهة ارتكاب الفعل، ولا يترك القاذف بل يعزر.
ـ نوقش دليلهم الثاني بما يلي:
إن القياس على البالغ قياس مع الفارق، وذلك لافتراقهما في الأحكام، ويظهر هذا فيما لو زنا البالغ فيعاقب بالحد إذا ثبت الفعل أما الصبي فلا.
الرأي الراجح
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومنا قشة ما أمكن مناقشته منها، فالرأي الراجح منها هو القائل:بأنه لا حد على قاذف الصبي والمجنون والمكره للأسباب الآتية:
ـ قوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.
ـ أن العلة في مشروعية حد القذف دفع العار عن المقذوف؛ لئلا تشيع الفاحشة في المجتمع ،وقذف غير البالغ ليس فيه إلحاق العار به، وإذا كانت العلة منتفية كان القول بحد القاذف في هذه الحالة غير محقق لمقصده.
ـ أن الصبي والمجنون لا يلحقهما الشين بالقذف؛ لعدم تكليفهما والمكره يسقط به الحد لوجود شبهة الإكراه.
ـ أن إحصان المقذوف عبارة عن خصال حميدة، وأول ذلك كمال العقل وهذا ينعدم في الصبي والمجنون. (1)
(1) المبسوط:9/118.