والإسلام حينما عني بهذه الضروريات الخمس لم يكتف بالعمل على احترامها وعدم مخالفتها بالأجزية الأخروية , كما هو الشأن في بعض التشريعات الأخلاقية في الشرائع السماوية ,ولا بالعقوبات الدنيوية غير الرادعة ولا الزاجرة عن معاودة الجريمة ،كما هو الشأن في القوانين الوضعية ,ولكنه جمع بين الأمرين الجزاء الأخروي الذي توجل منه القلوب وتقشعر منه الأبدان ,والعقوبة الدنيوية الزاجرة الرادعة التي تحول بين الجاني وبين الجريمة، أو بينه وبين محاولتها. (1)
ومن المعلوم أن الناس لو وكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء ,وتشعبت بهم الطرق ولعظم الاختلاف واشتد الخطب فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك وأزال عنهم كلفته ,وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعا ً وقدرًا ،ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال (2) ،فالحدود شرعها الله - سبحانه وتعالى - لتحمي مقاصد الشريعة الأساسية؛ ولذلك فهي منحصرة في الاعتداء على الدين والنفس والنسل والمال؛ لأنه لا يمكن للحياة أن تستقيم وتسير سيرها الطبيعي إلا بالحفاظ على هذه المقاصد وصيانتها.
(1) الحدود في الإسلام ومقارنتها بالقوانين الوضعية: محمد أبو شهبة: طبعة الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية 1974,ص 129.
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين لإبن قيم الجوزية: تحقيق:عصام الدين الصبابطي, 2/100، ط دار الحديث، الطبعة الأولى 1993.