الصفحة 419 من 607

ـ لا نمانع أنه يمكن حمل (أو) على حقيقتها , ويعمل بظاهر التخيير بين الأجزية الثلاثة , لكن في محارب خاص , وهو الذي أخذ المال , وقتل , فكان العمل بظاهر التخيير على هذا الوجه أقرب من ظاهر الآية ; لأن الله - تبارك وتعالى - جمع بين القتل , وقطع الطريق في الذكر بقوله - سبحانه وتعالى - { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } فالمحاربة هي القتل , والفساد في الأرض هو قطع الطريق فأوجب - سبحانه وتعالى - أحد الأجزية من الفعلين بما ذكر , وفيه عمل بحقيقة حرف التخيير , وعمل بحقيقة ما أضيف إليه الجزاء. وهو ما ذكر سبحانه - وتعالى - من المحاربة , والسعي في الأرض بالفساد , فكان أقرب إلى ظاهر الآية , إلى هذا التأويل. (1)

نوقش دليلهم الثاني بما يلي:

قوله تعالى: { وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } (2) ، فإن (أو) في الآية ليست للتخيير بل للجمع، فالمعنى ولا تطع منهم آثما وكفورا،وتقول العرب: جالس الحسن أو ابن سيرين (أي جالس الحسن وابن سيرين) , وكُلْ خبزا ًأو تمرًا. (3)

وقد أجيب عن هذا:أن قول الله تعالى { وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } (4) فهو على ظاهره , وهو - صلى الله عليه وسلم - منهي أن يطيع الآثم - وإن لم يكن كفورا - وكل كفور آثم , وليس كل آثم كفورا - فصح أن ذكره تعالى للكفور تأكيد أبدا , و إلا فالكفور داخل في الآثم.

وأما قول العرب: جالس الحسن , أو ابن سيرين - وكل خبزا , أو تمرا , فنحن لا نمنع خروج اللفظ عن موضوعه في اللغة بدليل , وإنما نمنع من إخراجه بالظنون والدعوى الكاذبة. وإنما صرنا إلى أن قول القائل: جالس الحسن , أو ابن سيرين: إباحة لمجالستهما معا , ولكل واحد منهما بانفراده.

(1) بدائع الصنائع: 7/94.

(2) الإنسان: من الآية 24.

(3) المحلى: 12/298.

(4) الإنسان: من الآية 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت