إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه" [1] ."
ولمزيد من الحفظ للقرآن ولتوثيق حفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان جبريل عليه السلام ينزل عليه كل عام في شهر رمضان يدارسه القرآن، فلا يتفلت منه شيء، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة) [2] .
وخلال ثلاث وعشرين سنة بقي القرآن الكريم موضع اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم -، يتولى بنفسه إقراء أصحابه وتعليمهم القرآن؛ بل وتحفيظهم سوره، يقول ابن مسعود: (أخذت من فيِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة) [3] .
وكان هذا ديدنه - صلى الله عليه وسلم - حتى مع المسلمين الجدد، فكان يتعاهدهم بما قد فاتهم من القرآن، فإذا ما شُغِل أَمرَ أصحابه بتعليمهم بدلًا عنه، يقول عبادة بن الصامت: (كان رسول الله يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليَّ رجلًا، فكان معي أُعشيه عشاء أهل البيت، وأُقرئه القرآن) [4] .
وبمثل هذا الحرص البالغ من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا يتتبعون ما ينزل من القرآن في كل يوم، ولا يشغلهم عنه شيء من أمور
(1) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (4/ 577) .
(2) أخرجه البخاري ح (6) ، ومسلم ح (2308) .
(3) أخرجه البخاري ح (5000) ، ومسلم ح (2462) .
(4) أخرجه أحمد ح (22260) .