وأما الجزم بتحديد المكان الذي هو المقام المحمود فأنه امر غيبي، ولم يرد دليل قطعي به وإنما تكرر باكثر من مكان - وبينّا الاختلاف فيه - فعليه كل من حدد مكانه فانما هو على سبيل الاجتهاد لا على سبيل القطع والجزم - وعليه فلا أجزم به ولا ارى مسوغًا للجزم به -والله اعلم- وهذا لا يضر ما دام الاعتقاد بأصل المقام موجودًا، يقول الشيخ حوى:"ولا يكلف المسلم أن يعرف كيف يحمل كل نصٍّ من هذه النصوص على مقم بعينه بل يخشى عليه من الخطأ فيكيفه أن يعرف اصل المسألة مع التسليم والتفويض والجدّ والتشمير" [1] .
ثبت بالمتواتر من الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاعته لأهل الموقف [2] . فقد جاءت عن اثني عشر صحابيًا بألفاظ متقاربة، وان إجماع أهل الحق معقود على شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [3] .
وان أصرح الاحاديث الصحيحة التي تقرر شفاعته - صلى الله عليه وسلم - بفصل القضاء هو ما اخرجه البخاري بسنده عن عبد الله إبن عمر - رضي الله عنه: (( أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم ) ) [4] .
فهذا الحديث يثبت شفاعة الفصل بين العباد كغيره من الاحاديث الاخرى [5] وهذه الشفاعة تكون بعد سجود النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه ليفصل في القضاء ولم أجد -في حدود اطلاعي- حديثًا واحدًا صحيحًا في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن يخر ساجدًا ويقول يا رب امتي .. امتي .. أو ربي شفعني في امتي أو وعدك الذي وعدت"مثلًا"ولم اجد حديثًا: فيقول له الله جل
(1) الاساس في السنة، قسم العقائد 3/ 1301.
(2) أنظر لقط الآلي الزبيدي 75/ 78، ونظم المتناثر الكتاني 245، وعون المعبود، العظيم ابادي 13/ 72.
(3) انظر شرح الفقة الاكبر لأبي حنيفة، بشرح السمرقندي 90، والارشاد، الجويني 393 - 394، والحسنة السيئة، إبن تيمية ص110، وفتح الباري، إبن حجر 1/ 577، وجلاء العينين، إبن الآلوسي ص 444.
(4) انظر تخريجه برقم ... (21) .
(5) انظر الاحاديث برقم ... (10 - 12) .