الصفحة 133 من 141

تَطِيبُوا بِهَذَيْنِ السَّفَطَيْنِ أَنْفُسًا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِحَوَائِجِهِ وَأُمُورِهِ وَمَا يَنْتَابُهُ ، فَأَجَابُوهُ بِصَوْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ: إِنَّا نُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّا قَدْ فَعَلْنَا ، وَطَابَتْ أَنْفُسُنَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينِ ، فَدَعَانِي ، فَقَالَ: قَدْ عَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْحَرَّةِ ، وَمَا أَوْصَانَا ، وَمَا اتَّبَعْنَا مِنْ وَصِيَّتِهِ وَأَمْرِ السَّفَطَيْنِ ، وَطِيبِ أَنْفُسِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بِهِمَا ، فَأْتِ بِهِمَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاصْدُقْهُ الْخَبَرَ ، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ بِمَا يَقُولُ لَكَ ، فَقُلْتُ: مَا لِي بُدٌّ مِنْ صَاحِبٍ ، فَقَالَ: خُذْ بِيَدِ مَنْ أَحْبَبْتَ . فَأَخَذْتُ بِيَدِ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ ، فَانْطَلَقْنَا بِالسَّفَطَيْنِ نَهُزُّهُمَا حَتَّى قَدِمْنَا بِهِمَا الْمَدِينَةَ ، فَأَجْلَسْتُ صَاحِبِي مَعَ السَّفَطَيْنِ ، وَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَإِذَا بِهِ يُغَدِّي النَّاسَ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عُكَّازٍ وَهُوَ يَقُولُ:"يَا يَرْفَأُ ، ضَعْ هَاهُنَا ، يَا يَرْفَأُ ، ضَعْ هَاهُنَا"، فَجَلَسْتُ فِي عُرْضِ الْقَوْمِ لَا آكُلُ شَيْئًا فَمَرَّ بِي ، فَقَالَ:"أَلَا تُصِيبُ مِنَ الطَّعَامِ ؟"فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ ، فَرَأَى النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ يَدُورُ فِيهِمْ ، فَقَالَ:"يَا يَرْفَأُ ، خُذْ خُونَكَ وَقِصَاعَكَ"، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاتَّبَعْتُهُ ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارٍ قَوْرَاءَ عَظِيمَةٍ ، فَدَخَلَهَا ، فَدَخَلْتُ فِي إِثْرِهِ ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى حُجْرَةٍ مِنَ الدَّارِ فَدَخَلَهَا ، فَقُمْتُ مَلِيًّا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَمَكَّنَ فِي مَجْلِسِهِ ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ ، فَقَالَ:"وَعَلَيْكَ , فَادْخُلْ"، فَدَخَلْتُ ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى وِسَادَةٍ مُرْتَفِقًا أُخْرَى ، فَلَمَّا رَآنِي نَبَذَ إِلَيَّ الَّتِي كَانَ مُرْتِفَقًا ، فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ تَغْرِزُنِي ، فَإِذَا حَشْوُهَا لِيفٌ , قَالَ:"يَا جَارِيَةُ ، أَطْعِمِينَا"، فَجَاءَتْ بِقَصْعَةٍ فِيهَا قِدَرٌ مِنْ خُبْزٍ يَابِسٍ ، فَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا ، مَا فِيهِ مِلْحٌ وَلَا خَلٌّ ، فَقَالَ:"أَمَا إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً أَطْعَمَتْنَا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا"، فَقَالَ لِي:"ادْنُ"، فَدَنَوْتُ ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَتَنَاوَلُ مِنْهَا قِدْرَةً ، فَلَا وَاللَّهِ إِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُجِيزَهَا ، فَجَعَلْتُ أَلُوكُهَا مَرَّةً مِنْ ذَا الْجَانِبِ ، وَمَرَّةً مِنْ ذَا الْجَانِبِ ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى أَنْ أُسِيغَهَا ، وَأَكَلَ أَحْسَنَ النَّاسِ إِكْلَةً ، إِنْ يَتَعَلَّقُ لَهُ طَعَامٌ بِثَوْبٍ أَوْ شَعْرٍ ، حَتَّى رَأَيْتُهُ يَلْطَعُ جَوَانِبَ الْقَصْعَةِ ، ثُمَّ قَالَ:"يَا جَارِيَةُ ، اسْقِينَا"، فَجَاءَتْ بِسَوِيقِ سُلْتٍ ، فَقَالَ:"أَعْطِيهِ"، فَنَاوَلَتْنِيهِ ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَنَا حَرَّكْتُهُ ثَارَتْ لَهُ قُشَارٌ ، وَإِنْ أَنَا تَرَكْتُهُ تَنِدَ ، فَلَمَّا رَآنِي قَدْ بَشِعْتُ ضَحِكَ ، فَقَالَ:"مَا لَكَ أَرَنِيهِ إِنْ شِئْتَ"، فَنَاوَلْتُهُ ، فَشَرِبَ حَتَّى وَضَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ:"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا فَأَشْبَعَنَا ، وَسَقَانَا فَأَرْوَانَا ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت