الصفحة 36 من 90

حزم رحمه الله تعالى في (الملل والنحل) بأن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية. انتهى [1] .

وأنكروا الصفات حتى نسبوا إلى التعطيل وانتهى بهم الأمر إلى القول بأن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق وهي الفتنة التي امتحن بسببها الإمام أحمد بن حنبل وغيره كثير من الأئمة رحمهم الله تعالى، قال شيخنا أبو محمد بديع الدين الشاه الراشدي السندي المكّي رحمه الله تعالى في مقدمة تفسيره:

"وقد امتحن كثير من عباد الله المخلصين في هذه المسألة، وفتنوا وأوذوا على رأسهم إمام السنة أحمد بن حنبل المتوفي سنة 241 ه رحمه الله تعالى فقد ضُرب بالسياط في الله فقام مقام الصديقين، قاله أبو غالب بن بنت معاوية، وقال الإمام علي بن المديني:"إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث أبو بكر الصديق يوم الردّة وأحمد بن حنبل يوم المحنة". رواه الخطيب البغدادي (12/ 349) ."

وهناك كثير من الأئمة قد امتحنوا وأصيبوا بما أصيبوا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا: فمنهم الإمام الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي المتوفي سنة 219 ه من كبار شيوخ الإمام البخاري فقد أخرج الخطيب في تاريخه (12/ 394) عن محمد بن يونس قال لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثم ابن أبي حنيفة، وأحمد بن يونس، وأبو غسان وعداد، فأول من امتحن ابن أبي حنيفة فأجاب، ثم عطف على أبي نعيم فقال قد أجاب هذا، فقال ما يقول؟ والله ما زلت اتّهم جدّه بالزندقة، ولقد أخبرني يونس بن بكير أنه سمع حد هذا يقول لا بأس أن ترمي الجمرة بالقوارير، أدركت الكوفة وبها أكثر من سبعمائة شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله، وعنقي أهون عندي من زري هذا، فقام إليه أحمد بن يونس فقبل رأسه -وكان بينهما شحناء- وقال: جزاك الله من شيخ خيرًا، وعن ابن أبي شيبة عنه قال: إنما هو ضرب الأسياط وقال: أدركت ثلاثمائة شيخ كلهم يقولون القرآن كلام الله ليس بمخلوق وإنما قال هذا قوم من أهل البدع، كانوا يقولون لا بأس أن ترمي الجمار بالزجاج ثم أخذ زرَّه فقطعه ثم قال: رأسي أهون عليّ من زري.

(1) الملل والنحل 4/ 418 - 431.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت