الصفحة 42 من 90

كان العمل بطاعة الله تعالى ينفع مع الإيمان به ذكر التقوى مع الإيمان في الآية وأما الكفر والتكذيب فلا ينفع مع شيء من الخير كما لا تعدله مفسدة من المفاسد فلذا أفرد ذكره.

وهذه الآية قال فيها القرطبي رحمه الله:"وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم إذ قد يمتحن المؤمنين بضيق العيش ويكون تكفيرًا لذنوبهم" [1] .

قلت: وهذا الذي ذكره هنا فيه نظر إذ الأصل حمل الآية على عمومها ما أمكن، ووجهه أن يُقال إن الله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في السورة من قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم وتكذيبهم لهم ثم قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94] .

فذكر تعالى أن تلك عادته مع أعداء الأنبياء إذا أصرّوا على تكذيبهم، وأما مجيء الفعل ماضيًا بعد إلا، فإنه لا يليها فعل ماض إلا إن قدم فعل كما في هذه الآية [2] ، والجملة من قوله (أخذنا) حاليه، أي إلا أخذين أهلها. ذكره أبو حيان (البحر المحيط 4/ 943) ، ثم بعد هذه الآية قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ... } الآية وقد قال الزمخشري [3] : اللام في (القرى) إشارة إلى القرى التي دلّ عليها قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ} ، قال: ويجوز أن تكون اللام في القرى للجنس"."

والحاصل من مجموع ذلك أن قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى .. } يراد به العموم الذي دلّ عليه ورود النّكرة في سياق النفي في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ .. } والله أعلم.

وأما قول القرطبي بعد ذلك"إذ قد يمتحن المؤمنين بضيق العيش ويكون تكفيرًا لذنوبهم"فهذا لا منافاة بينه وبين ما ذكرناه إن شاء الله تعالى، فإن المصالح المترتبة على تحقيق مصلحة التوحيد على قسمين مصالح دنيوية، ومصالح أخروية، ولا شك أن ابتلاء أهل الإيمان بضيق العيش مع ما يترتب عليه من تكفير للذنوب ورفعة في الدرجات هو من مصالح الآخرة، وكما يحصل بتحقيق مصلحة التوحيد مصالح أخروية، من الفوز برضوان الله تعالى والأمن من عذابه في الآخرة تحصل به كذلك مصالح دنيوية لولاها لكانت معيشة العبد

(1) الجامع لأحكام القرآن 7/ 253.

(2) وحالة أخرى يصحب الفعل بعدها بقد كقولك ما زيده إلا قد قام.

(3) الكشاف 2/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت