فهرس الكتاب
مخذّل، ما له من الحكمة من نصيب، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على موت القلوب وفسادها، وإلا فالقلب العامر بمحبّة الله تعالى يغضبه أن تنتهك محارم الله، ويعظم ذلك عنده وإنه والله لعظيم، وكم من فسّاق المسلمين كان على ما هو فيه ضلالة وغواية ذا حميّة وغيرة على الدين إذا ما طعن فيه طاعن أو تكلّم فيه منافق خبيث، غيورًا على أعراض أهل الإسلام أن تُنتهك، فلما كتب الله له الهداية وصار يغشى حلقهم ومجالسهم قتلوا فيه حميّته وغيرته، واغتالوا فيه رجولته ونخوته، وكل ذلك بزعمهم تحصيلًا لمصالح الدين، والحق أنه إيثار للحظوظ النفسية الدنية على مصالح الآخرة العليّة.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة له في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدما ذكر وجوبه ومكانه من الدين:"وترك ذلك على سبيل المداهنة والمعاشرة وحسن السلوك ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين، أعظم ضررًا، وأكبر إثمًا من تَرْكِه لجهالة، فإن هذا الصنف رأوا أن السلوك وحسن الخلق ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذاك، فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومناهجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم، ويسالمونهم، ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثار للحظوظ النفسية والدعة، ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله، وتحمل الأذى في ذاته، وهذا في الحقيقة هو الهلكة الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه، فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه، والغضب ينشأ من حياة القلب، وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم، وعدم الغضب والاشمئزاز، وسعى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأي خير يبقى في قلب هذا ... ؟! وفي بعض الآثار أن الله أوحى إلى جبرائيل أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب إن فيهم فلانًا العابد، قال: به فابدأ، إنه لم يتمعّر وجهه فيّ قطّ. وذكر ابن عبد البر: أن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمّراها، فوجدا فيها رجلًا قائمًا يصلي في مسجد، فقالا: يا رب إن فيها عبدك فلانًا يصلي، فقال الله عزّ وجلّ: دمّراها ودمّراه معهم، فإنه ما تمعّر وجهه فيّ قطّ، انتهى، ومن له علم بأحوال القلوب وما يوجبه الإيمان ويقتضيه، من الغضب لله والغيرة لحرماته، وتعظيم أمره ونهيه، يعرف من تفاصيل ذلك ما ذكرنا، ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم"