الصفحة 90 من 90

يندب غيره من العلماء على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، وفي الباب تفصيل لا نطيل بذكره والله أعلم.

قلت: وكذلك فإن معرفة مراتب المعروف وتفاوت مراتب المنكر وبناءَ كلٍّ على قواعد المصالح والمفاسد بحيث يحصل أولى المعروفين ولو أدّى إلى تفويت أدناهما، ويدفع أعظم المنكرين ولو أدَّى إلى ارتكاب أدناهما، كلّ ذلك بحاجة إلى الفقه في الدين وإلا أدَّى به إلى الوقوع في المحظور، والله المستعان.

الثالث: الرفق في الأمر والنهي كما دلَّ عليه صنيع النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي، وكذا قوله تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] ، واعلم أن الرفق المأمور به ليس هو السكوت عن المنكر ومداهنة صاحبه والبشاشة له، وليُّ الكلام وتلبيس الحق بالباطل كما يفعله كثير من الناس، حتى جعلوا تبلّد الحس أمام ما يراه من المنكر من تمام الحكمة وكمال العقل، ثم استدلّوا له بالآية الكريمة .. !

بل المراد بيان الحق على وجهه الأكمل دون مداراة أو لبس أو غموض، وإقامة الحجّة البالغة عليه، ودحض شبهات الخصوم مع حسن التوكّل على الله تعالى والاعتماد عليه والتلطّف في القول بإيضاحه وبيانه، وتأمّل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما [1] فإن فيه: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم .. ) .

قال الحافظ رحمه الله:"فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة لأنه معزول بحكم الإسلام .. لكنه لم يخله من إكرام لمصلحة التأليف".

قلت: ومع ذلك ففي الكتاب الدعوة إلى توحيد الله تعالى والأمر به وترك اتخاذ غيره أربابًا، مع الحذير من التولي عن ذلك لما يلحقه من الذنب العظيم والخسران في الدنيا والآخرة.

وتأمّل كذلك ما كان من موسى وهارون عليهما السلام وما قصَّ الله سبحانه في شأنهما مع فرعون وملئه ودعوتها لهم، يتبيّن لك المراد من إِلانة القول الذي أُمِرا به، والله أعلم.

(1) هو عند البخاري في كتاب بدء الوحي، انظر الفتح 1/ 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت