الصفحة 15 من 119

وأرادوه على الشرك ... )) [1] . وعلق ابن قدامة على كلام الإمام أحمد بقوله: (( وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها , وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولادا كفارا، وكذلك الرجل، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الإسلام ) ) [2] . ثم احتج بقصة أصحاب الأخدود التي تقدمت، قال الحسن البصري في الحث على الثبات وعدم الأخذ بالتقية: (( إنما التقية رخصة، والفضل القيام بأمر الله ) ) [3] ، وخلاصة ما تقدم في هذه الفقرة أن على المسلم المقيم بين ظهراني الكفار إن أجبر على الكفر مرة أن يظهر ذلك تقية، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، فإن كان هؤلاء يصرون على أجراء أحكام الكفر عليه، بحيث لا يبقى للإسلام رسم في قلبه، فعليه حينئذ الهجرة من هذه الدار والهروب من هؤلاء القوم بدينه وإيمانه، وهذا ما سنبينه في الفقرة الآتية.

4.ويشترط لجواز التقية أن لا يكون للمكلف مخلص من الأذى إلا بالتقية , وهذا المخلص قد يكون الهرب من القتل أو القطع أو الضرب , وقد يكون التورية عند الإكراه على الطلاق , وعدم الدهشة وهذا عند بعض الفقهاء ويكون ذلك باللسان دون القلب أو اليد كما هو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما [4] , وقد تكون الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، فإن أمكنته الهجرة لم يكن له موالاة الكفار وترك إظهار دينه لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97] ، قال الآلوسي: (( اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإسلام وعن إدخالهم الخلل فيه وعن العجز عن القيام بواجبات الدين بأنهم كانوا مقهورين تحت أيدي المشركين , وأنهم فعلوا ذلك كارهين، فلم تقبل الملائكة عذرهم لأنهم كانوا متمكنين من الهجرة , فاستحقوا عذاب جهنم

(1) المبدع: 7/ 256.

(2) المصدر نفسه: 9/ 31.

(3) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 474.

(4) المصدر نفسه: 6/ 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت