الصفحة 16 من 119

لتركهم الفريضة المحتومة )) [1] ، ومقتضاه أن من كان مقهورًا لا يقدر على الهجرة حقيقة لضعفه أو لصغر سنه وسواء أكان رجلا أم امرأة بحيث يخشى التلف لو خرج مهاجرا فذلك عذر في الإقامة وترك الهجرة، وقد صرحت بهذا المعنى الآية التالية للآية السابقة وهي: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98] وقال الآلوسي أيضا: (( كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه , ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف , فإن أرض الله واسعة، نعم إن كان ممن له عذر شرعي في ترك الهجرة كالنساء والصبيان والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبا , سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو حبس القوت أو بنحو ذلك , فإنه يجوز له المكث مع المخالف , والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه. وإن كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكن تحملها كالحبس مع القوت , والضرب القليل غير المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم ) ) [2] .

5.ويشترط أن يكون الأذى المخوف وقوعه مما يشق احتماله، والأذى إما أن يكون بضرر في نفس الإنسان أو ماله أو عرضه، أو في الغير , أو تفويت منفعة، وقال المالكية: أو خوف صفعٍ ولو قليلًا لذي مروءة على ملأ من الناس [3] . أما التهديد اليسير فلا تحل به التقية ولا يجيز إظهار موالاة الكافرين أو ارتكاب المحرم، بل المنقول عن الأئمة خلافه، وإن كان يخشى على نفسه الهلاك عند وقوع التهديد العظيم فلا بأس بإظهار التقية عند ذلك، فقد روى شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (( ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب ) ) [4] ، وفرق الحنابلة بين هذا وبين الإكراه فمن ضرب ضربًا شديدًا أو يسيرًا في حق ذي مروءة أو الحبس والقيد الطويلان أو أخذ المال الكثير والإخراج من الديار، أما إن كان ذلك

(1) روح المعاني: 5/ 126.

(2) روح المعاني: 3/ 121.

(3) التاج والإكليل: 4/ 45.

(4) مصنف ابن أبي شيبة: 6/ 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت