الصفحة 17 من 119

تهديدًا فهو إكراه وهو يختلف كما قرر ذلك القاضي أبو يعلى، واستحسن هذا القول ابن عقيل [1] ، أي يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأمر المكره عليه والأمر المخوف به، ولكن يمكن القول بأن الأمر على إطلاقه، وأما خوف فوت المنفعة فقد قال فيه الآلوسي: إنه لا يجيز التقية [2] . وذلك كمن يخشى إن لم يظهر المحرم أن يفوته تحصيل منصب أو مال يرجو حصوله وليس به إليه ضرورة، وهذا هو الصواب ويدل عليه من القرآن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] وفيها ذمهم الله تعالى على الكتمان في مقابلة مصالح عاجلة، أي من مال أو جاه؛ لأن قول الكذب والغيبة والنميمة ونحوها وقول الإنسان بلسانه خلاف ما في قلبه كل ذلك محرم والكاذب مثلا لا يكذب إلا لمصلحة يرجوها من وراء كذبه , ولو سئل لقال إنما كذبت لغرض كذا وكذا أريد تحصيله , فلو جاز الكذب لتحصيل المنفعة لعاد كل كذب مباحا ويكون هذا قلبا لأحكام الشريعة وإخراجا لها عن وضعها الذي وضعت عليه.

6.شدد بعض العلماء على ضرورة التفريق بين التقية وبين النفاق، فالنفاق هو أن يظهر الإيمان ويستر الكفر , وقد يطلق النفاق على الرياء، والتقية هي إبطان الإيمان وإظهار الكفر عند الضرورة كما تقدم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( أساس النفاق الذي بني عليه هو الكذب , وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه , كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) ) [3] ، والصلة بين التقية وبين النفاق , أن المنافق كافر في قلبه لكنه يظهر بلسانه وظاهر حاله أنه مؤمن ويعمل أعمال المؤمنين ليأمن على نفسه في المجتمع الإسلامي وليحصل الميزات التي يحصلها المؤمن، فهو مغاير للتقية , لأنها إظهار المؤمن عند الخوف على نفسه ما يأمن به من أمارات الكفر أو المعصية مع كراهته لذلك في قلبه , واطمئنانه بالإيمان.

(1) المبدع: 7/ 256.

(2) مختصر التحفة: ص 288.

(3) منهاج السنة النبوية: 2/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت