الصفحة 38 من 119

أنه في الوقت نفسه لا يلزم نفسه بشيء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ) ) [1] ، قال ابن حزم: (( فصح أن كل من أكره على قولٍ ولم ينوه مختارًا فإنه لا يلزمه ) ) [2] .

أما النوع الثاني من الإكراه عند ابن حزم فهو إكراه الفعل، وهو بدوره ينقسم إلى قسمين أيضًا: (( أحدهما - كل ما تبيحه الضرورة , كالأكل والشرب فهذا يبيحه الإكراه ; لأن الإكراه ضرورة, فمن أكره على شيء من هذا فلا شيء عليه ; لأنه أتى مباحا له إتيانه، والثاني - ما لا تبيحه الضرورة , كالقتل , والجراح , والضرب , وإفساد المال , فهذا لا يبيحه الإكراه , فمن أكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان ; لأنه أتى محرما عليه إتيانه ) ) [3] ، ولكن ابن حزم لا ينس أن يقرر ضرورة وقوع الإكراه فعلًا على المكرَه، ويقين الأخير بأن الضرر واقع عليه لا محالة، وغير ذلك لا يمكن أن يسمى إكراهًا لأن الإكراه بنظره: (( هو كل ما سمي في اللغة إكراها , وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به , والوعيد بالضرب كذلك أو الوعيد بالسجن كذلك , أو الوعيد بإفساد المال كذلك , أو الوعيد في مسلم غيره بقتل , أو ضرب, أو سجن , أو إفساد مال ) ) [4] .

ولم يجعل العلماء هذه التقسيمات هي القول الفيصل، وإنما وضعوا شروطًا للإكراه كأساس في وقوعه وتتمثل بالآتي [5] :

1.قدرة المكرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم.

2.عجز المكرَه عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقامة.

3.ظنه أنه إن امتنع عما أكره عليه أوقع به المتوعد.

4.كون المتوعد مما يحرم تعاطيه على المكرِه، فلو قال ولي القصاص للجاني: طلقها وإلا اقتصصت منك، لم يكن إكراهًا.

5.أن يكون عاجلًا، فلو قال: طلقها وإلا قتلتك غدًا، فليس بإكراه.

6.أن يكون معينًا، فلو قال: اقُتلْ زيدًا أو عمرًا، فليس بإكراه.

(1) البخاري، الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي: رقم 1.

(2) المحلى: 8/ 230.

(3) المصدر نفسه: 8/ 230.

(4) المصدر نفسه: 8/ 230.

(5) السيوطي، الأشباه والنظائر: ص 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت