المكرِه لا يحقق ما أوعده لا يثبت الحكم شرعًا )) [1] ، وقال في مكان آخر (رحمه الله) : (( وإن كان الإكراه ناقصًا لا يحل له الإقدام عليه ولا يرخص أيضًا؛ لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه، فكانت الحرمة بحكمها قائمة ) ) [2] .
إن هذا الاستدلال الذي تضمن نفي حكم الظن في أحكام الإكراه مهم لنا في هذا الباب؛ لأن أغلب أحكام التقية عند الشيعة الإمامية مبينة على الظن: {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] بل لازال علمائهم لهذه اللحظة يذكرون ما تعرض أسلافهم المزعومين على يد بني أمية وبني العباس من أذى واضطهاد، بعد مضي أكثر من ألف عام على ذلك، وظهرت لهم أكثر من دولة، وانتشرت سطوتهم في أكثر من بلاد، وقد أدى ذلك إلى استنكار الإمامية أنفسهم لمثل هذا الأمر، حتى أصبحت أخبارهم أعظم من أخبار بني إسرائيل وأشد تناقضًا وكل ذلك بسبب عقيدة التقية المزعومة والمنسوبة زورًا إلى أهل البيت، كما روى الصفار عن زرارة قال: (( قال أبو جعفر - عليه السلام: حدث عن بني إسرائيل ولا حرج، فقلت: جعلت فداك في حديث الشيعة ما هو أعجب من أحاديثهم؟ قال: فأي شيء هو يا زرارة؟ قال: فاختلس من قلبي فمكثت ساعة لا أذكر ما أريد، قال: لعلك تريد التقية؟، قلت: نعم، قال: صدّق بها فإنها حق ) ) [3] .
فمن خلال هذه الروايات يتبين أن التقية عند الإمامية غير مرهونة بشرط الإكراه، بل قد تكون هي أصل العمل ومدار عبادة المكلف، وهناك أكثر من رواية في كتب القوم ترجح ما ذهبنا إليه من كون المكلف عندهم يمكن أن يعمل التقية في (دار التقية) على كل حال، وإن كان الإمامية قد اختلفوا في الاعتداد بهذه العبادات التي قد تكون مرهونة بالاضطرار لا بالتقية، بعبارة أخرى أن العمل مرهون بتقدير المقلد باحتمال وقوع الأذى عليه من عدمه، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفًا، فإن هذا بواقع الحال لا يشكل مانعا من العمل بالتقية، ويعضد كلامنا هذا رواية القوم في كتبهم عن الصادق أنه قال: (( إن التقية في كل ضرورة ) ) [4] ، وفي رواية أخرى عنه أيضًا: (( التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له ) ) [5] ، وأنت ترى
(1) بدائع الصنائع: 7/ 176.
(2) المصدر نفسه: 7/ 177.
(3) بصائر الدرجات: ص 240؛ المجلسي، بحار الأنوار: 2/ 237.
(4) الكافي: 2/ 219؛ من لا يحضره الفقيه: 3/ 363.
(5) الكافي: 2/ 220.