أن لا استثناء في الرواية الأخيرة، ولا حدود للتقية، وهذا قول مردود لأن أفعال القلوب لا إكراه فيها، كما هو الحال هنا، وقد نقل السيوطي الإجماع على ذلك [1] .
والمطلع على روايات الإمامية في كتبهم يجد تناقضًا عجيبًا بين هذه الروايات في صحة العبادات التي قام بها المكلف تقية، وإن كان الراجح منها - على قول فقهاء القوم أنفسهم - الاكتفاء بأدائها في حال التقية وعدم إعادتها عند زوالها، إلا أننا نعرض بعض هذه الروايات من أجل بيان أن التقية بعيدة بعد المشرق والمغرب عن الإكراه عند أهل السنة، لأننا بينا شروط الإكراه سلفًا ويمكن أن تقيس أنت على ذلك.
فقد روى ابن بابويه وغيره عن حماد عن أبي عبد الله أنه قال: (( من صلى في منزله ثم أتى مسجدًا من مساجدهم فصلى معهم خرج بحسناتهم ) ) [2] وفي رواية أخرى عن إسحاق بن عمار قال: (( قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا إسحاق أتصلي معهم في المسجد؟ قلت: نعم، قال: صلِ معهم فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله ) ) [3] ، قال الشيرازي: (( وظاهر هذه الأحاديث رجحان الصلاة معهم مع نية الاقتداء بهم كما أن ظاهرها جواز الاكتفاء بها وعدم وجوب إعادتها ) ) [4] .
ومن ذلك رواه سماعة قال: (( سألت عن رجل يصلي فخرج الإمام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة الفريضة، قال: إن كان إمامًا عدلًا فليصلِ أخرى وينصرف ويجعلها تطوعًا وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل فليبنِ على صلاته كما هو ويصلي ركعة أخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتم صلاته معه على قدر ما استطاع، فإن التقية واسعة، وليس في شيء من التقية إلا وصاحبها مأجور عليها ) ) [5] ، ففي هذه الرواية أمر الإمام هذا الرجل بإتمام صلاته مع غير عدلٍ وليبني عليها، ولم تشر الرواية إلى أمر الإمام هذا الرجل بإعادة الصلاة دلالة على صحتها، من جهة أخرى نفهم من هذا الخبر بأن هذا الرجل لم يكره على أداء الصلاة مع هذا الإمام، وإنما دخل بإرادته واختياره، وليس في الرواية وعيد أو ترهيب من
(1) الأشباه والنظائر: ص 208.
(2) الكافي: 3/ 380؛ تهذيب الأحكام: 3/ 270.
(3) الكافي: 2/ 621؛ تهذيب الأحكام: 5/ 496.
(4) القواعد الفقهية: 1/ 452.
(5) الطوسي، تهذيب الأحكام: 3/ 380.