الصفحة 49 من 119

القصة التي أوردها الإمامية لأهل الكهف - وهي مروية عن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - على تفاصيلها الكثيرة، لم تذكر لنا مواجهة بين الفتية والملك، بل إنها تذكر أنهم بمجرد إعلان إيمانهم هربوا من الملك دون أن يطلع على شيء من أمرهم، وكان أميرهم رجل يدعى تلميخا الذي: (( وثب فباع تمرًا من حائط له بثلاثة آلاف درهم وصرها في كمه وركبوا خيولهم وخرجوا من المدينة ) ) [1] ، ثم ساروا على أرجهم والتقوا براعي له كلب فآمن معهم وتبعهم ودلهم على كهف فآووا إليه، وعندما عاد دقانيوس من عيده: (( فسأل عن الفتية فأخبر أنهم خرجوا هربًا فركب في ثمانين ألف حصان، فلم يزل يقفوا على آثارهم حتى علا الجبل وانحط إلى الكهف فلما نظر إليهم فإذا هم نيام، فقال الملك: لو أردت أن أعاقبهم بشيء لما عاقبوا بأكثر مما عاقبوا ه أنفسهم، ولكن ائتوني بالبناءين وسد باب الكهف بالكلس والحجارة، ثم قال لأصحابه قولوا لهم يقولوا لألههم الذي في السماء لينجيهم مما بهم إن كانوا صادقين وأن يخرجهم من هذا الموضع ) ) [2] .

وعند المقارنة نجد أن الرواية التي أوردها الإمامية عن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أبعد ما تكون عن التقية، فليس هناك ذكر بأن هؤلاء الفتية قد اعتزلوا قومهم، بل إنهم قد هربوا بدينهم قبل أن يشعر بهم الملك وقد فسر الأمير - رضي الله عنه - وفق رواية الأمير - الاعتزال المذكور في الآية: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [الكهف: 16] بالخروج إلى الكهف، وليس بالتقية كما هو ظاهر من الرواية، ولا يمكن إنكار ذلك بالدليل العقلي، وما قاله الإمامية بأنهم كانوا يكتمون إيمانهم عن الملك ليس له دليل نقلي أو عقلي، أما النقلي فقوله تعالى حكاية عن هؤلاء الفتية: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِم إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ والاَرضِ لَنْ نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهًا لَقَدْ قُلْنَا إذًا شَطَطًا} [الكهف: 14] وكذلك الرواية الثابتة في كتبهم عن الأمير بأنهم خرجوا قبل أن يعرف أحد بإيمانهم، والربط هنا هو مصابرتهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من عيش رغيد وترف وسعادة، فهذا دالٌ على عدم تقيتهم، وقد قرر هذا الرأي من الإمامية (شيخ الطائفة) الطوسي وانتصر له عندما قال: (( إذ قاموا فقالوا: معناه حين قاموا بحضرة الملك الجبار فقالوا له هذا القول الذي أفصحوا عنه فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية، فقالوا: ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السماوات

(1) ابن طاوس، إرشاد القلوب: 2/ 362.

(2) ابن طاوس، إرشاد القلوب: 2/ 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت