الصفحة 50 من 119

والأرض لن ندعوا من دونه إلهًا فنوجه العبادة إليه، ومتى قلنا غير ذلك ودعونا معه إلهًا آخر (لقد قلنا إذن شططا) والشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه )) [1] ، وسياق الآية شاهد على ما قاله الطوسي، لذا رجح أكثر مفسري الإمامية ما ذهب إليه الطوسي بأن وقوف الفتية بوجه الملك لم يكن تقية بل كان أصالة عن أنفسهم وتحديًا للملك، وكان ذلك لبرط الله تعالى على قلوبهم [2] .

ثم خروج هؤلاء الفتية من مدينتهم ومفارقتهم لقومهم فأووا إلى الكهف كما قال الله تعالى: {يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا} [الكهف: 16] لأنهم كانوا يطلبون السلامة بدينهم والمكان الآمن لأبدانهم لعبادة الله تعالى وحده، وهذا الأمر دفعهم إلى الاعتزال، وما أشبه فعلهم هذا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور أثناء هجرته من مكة إلى المدينة، ووصل المشركين إلى الغار إلا أن الله تعالى أعمى بصائرهم فلم يروا النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، قال أبو بكر الصديق قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: (( لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ) [3] ، قال ابن كثير: (( فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف ) ) [4] ، ولم يقل أحد من المسلمين بأن هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة كانت تقية، بل كانت بعد أن أذن له تعالى له بالهجرة بسبب إيذاء المشركين له، والذي يدل على ذلك قوله تعالى: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [التوبة: 40] قال في تفسير هذه الآية الطبرسي: (( أسند الإخراج إلى الكفار كما في قوله: {من قريتك التي أخرجتك} لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج عنهم فكأنهم أخرجوه ) ) [5] ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرج من تلقاء نفسه بل خرج بأمر إلهي، في حين أن أصحاب الكهف خرجوا من تلقاء أنفسهم هربًا بدينهم كما يدل عليه قوله تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته} [الكهف: 16] .

(1) التبيان: 7/ 15.

(2) جوامع الجامع: 2/ 355؛ كنز الدقائق: 8/ 45؛ مقتنيات الدرر: 6/ 285؛ الأمثل: 9/ 187.

(3) البخاري الصحيح: 3/ 1337، رقم 3453؛ مسلم، الصحيح: 4/ 1854، رقم2381.

(4) تفسير ابن كثير: 3/ 76.

(5) جوامع الجامع: 2/ 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت