ويدل على هذا أيضًا ما رواه الإمامية من دعاءٍ منسوب للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو قائلًا: (( وكما ربطت على قلوب أهل الكهف إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهًا لقد قلنا إذن شططا، ونحن نقول كذلك فاربط على قلوبنا ) ) [1] ، ففي هذا الدعاء منه عليه الصلاة والسلام دليل قاطع على أن أهل الكهف كانوا أبعد الناس عن التقية في زمنهم وبين قومهم، وإلا لما دعى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قلبه مثل قلوبهم، مع تسليمنا بأن قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أتقى وأشرف القلوب.
ثم إن الإمامية يقرون بأن إمامهم الثاني عشر كان قد اختفى وغاب خوفًا من الأعداء في السرداب واحتجوا بمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام في الغار لدلالة على صحة غياب إمامهم [2] ، وهذا كلام لا يمكن أن يقبله عاقل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكث في الغار ثلاثة أيام، أما إمامهم فهو في السرداب منذ أكثر من ألف ومائتي عام ولا ندري هل يظهر أم لا .. ؟! فالنصرة حاصلة في هجرة النبي المختار - صلى الله عليه وسلم - كما يشهد بذلك القرآن: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} [التوبة: 40] أما الاختفاء في الغار فلم يحصل في نصر ولا تمكين، بل هو خذلان للمؤمنين من لطف الإمام الذي تزعمه الإمامية.
أما ما ذكره بعض الإمامية بأن هذه القصة فيها دلالة على عموم التقية لقوله تعالى: {فابعثُوا أحدَكُم بِوَرِقِكُم هذهِ إِلى المدِينَةِ فلينظُر أيُّها أزكى طعامًا فليأتِكُم برِزقٍ مِنهُ وليتلطَّف ولا يُشعِرنَّ بكُم أحدًا} [الكهف: 19] فليس فيه تقية كما توهموا، إنما هو من باب الأخذ بالأسباب والحذر من الأعداء، وفعلهم هذا شبيه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع سراقة بن مالك عندما اتفق معه وهو لازال على شركه أن يبعد عنهم عيون الأعداء، وإلا لقيل أن النبي أوصى كافرًا بالتقية، وهذا ممتنع عقلًا.
واعلم أن الإمامية روت في كتبهم بأن أهل الكهف كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه عليه الصلاة والسلام أرسل إليهم عليًا على بساطٍ من الريح فأحياهم الله تعالى له [3] ، فهذه الرواية - على فرض صحتها - تفيد أن هؤلاء الفتية ما غابوا في كهفهم وماتوا بعد مكثهم وكل ذلك تقية، فإن في ذلك طعنًا بإيمانهم وازدراء لحالهم، وروت الإمامية أيضًا عن المفضل عن أبي عبد
(1) الفكعمي، البلد الأمين: ص350؛ النوري، مستدرك الوسائل: 2/ 235.
(2) الطوسي، الغيبة: ص15.
(3) المفيد، الإرشاد: 2/ 386؛ الفتال، روضة الواعظين: 2/ 226؛ الأربلي، كشف الغمة: 2/ 466.