الله أنه قال: (( يخرج القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلًا خمسة عشر من قوم موسى - عليه السلام - الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون وسبعة من أهل الكهف ويوشع بن نون وسلمان وأبا دجانة الأنصاري والمقداد ومالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارًا وحكامًا ) ) [1] ، وأنت خبير بأن المذكورين - إذا استثنينا الأشتر منهم - يضرب المثل بصبرهم وقوتهم وبأسهم وتحديهم للباطل وصدعهم بالحق، فإن كان فتية الكهف قد هجروا قومهم ولم يتحملوا المشاق تقية - على قول الإمامية - فكيف يستطيعون إعانة المهدي عند خروجه؟! وينصرونه عند ظهوره؟!.
مما تقدم من بيان يتضح أن أهل الكهف كانوا أبعد الناس عن التقية، وما قصه الله تعالى من حالهم يدل دلالة على أصالة إيمانهم وأن هجرهم لقومهم كان من باب الهجر الجميل والإعراض عن أذى المشركين، وهو أشبه ما يكون بحال الأنبياء، وما ذكره الإمامية من تقيتهم هو تعسف ظاهر لا يستند إلى أي دليل نقلي أو عقلي يمكن التعويل عليه.
الآية الثانية:
{وقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم بالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صَادِقًا يُصبكُمْ بَعْضُ الّذي يَعِدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
لا خلاف في أن هذه الآية فيها دلالة على التقية المشروعة عند غلبة الكفار وتسلطهم وسطوتهم على المؤمنين؛ وقد روى أكثر المفسرين من الفريقين قصة هذا المؤمن الذي كان من المقربين من فرعون ويقال أنه كان ابن عمه [2] ، وذكر القرطبي أنه هو المقصود في قوله تعالى: {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] ونسب القول لمقاتل [3] ، وروي عن ابن عباس أنه قال: (( لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى ) ) [4] ، وهذا يدل على أن
(1) جوامع الجامع: 2/ 55.
(2) تفسير الطبري: 20/ 51؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 13/ 108. وينظر رأي الإمامية في تفسير القمي: 2/ 275؛ الجزائري، قصص القرآن: ص 260.
(3) الطبري، التفسير: 20/ 51؛ ابن كثير، التفسير: 3/ 569.
(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 15/ 306.