منذر موسى - عليه السلام - هو غير مؤمن فرعون، وأيًا كانوا فإن هذا المؤمن أو كلاهما كانا خائفين من إظهار الإيمان؛ لأن فرعون كان قد توعد بني إسرائيل ومن أمن معهم بسوء العذاب كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: 127] فكان لا بد من إخفاء الإيمان عند سطوة الكفار وطغيانهم.
والأمر الآخر الجدير بالذكر هنا هو أن هذا الرجل كان قد أظهر إيمانه عندما أحس بأن رسول الله موسى - عليه السلام - في خطر عظيم يتهدد حياته، إذ لا قيمة لإيمانه حين يقتل النبي دون أن يمنع ذلك، والسكوت عن المنكر منكر، ولذا تكلم هذا الرجل عندما سمع قول فرعون: {ذروني اقتل موسى وليدعوا ربه} وهذا ما ذكره أكثر من واحد منهم المفسرين، قال الرازي: (( إنّه كان يكتم إيمانه، ولما علم بقول فرعون المذكور أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق ) ) [1] ؛ لأن الإيمان إن لم ينفع صاحبه في مثل هذه المواقف فلا خير فيه، وهذا الموقف مشابهة لما قام به أبي بكر الصديق، فقد روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: (( قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} ) ) [2] ، وأخرجه الحكيم الترمذي عن علي - رضي الله عنه - وفيه قال علي بعد أن ذكر لفظ البخاري: (( والله أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل ) ) [3] ، قال القرطبي في تعليقه على هذه الرواية: (( قول علي - رضي الله عنه - إن ذلك رجل كتم إيمانه - يريد أول أمره، بخلاف الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه، وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى - عليه السلام - ) ) [4] وما قاله
(1) التفسير الكبير: 8/ 194.
(2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين في مكة: 3/ 1345، رقم 3567.
(3) المناوي، فتح القدير: 2/ 315.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 15/ 309.