القرطبي يدل عليه سياق الآية فإن هذا الرجل أظهر إيمانه كما ذكرنا ولم يكتمه مطلقًا، وفيه دلالة على الأخذ بالعزيمة إذ أن التقية في مثل ذلك الموطن تعد نفاقًا وتخاذلًا عن نصرة رسول الله.
وعند العودة إلى روايات الإمامية وما أوردوه في كتبهم عن أئمة أهل البيت يتضح لنا بشكل جلي ثبات مؤمن آل فرعون على مبادئه وعقيدته، كما في الرواية التي أخرجها القمي عن زرارة - في رواية طويلة - عن أبي عبد الله أنه قال عن هذا الرجل: (( كتم إيمانه ستمائة عام، وكان مجذومًا مقفعًا(وهو الذي وقعت أصابعه) وكان يشير إلى قومه بيده المقفوعة ويقول: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} وقوله: {فوقاه الله سيئات ما مكروا} يعني مؤمن آل فرعون، قال أبو عبد الله - عليه السلام: ولقد قطعوه إربًا إربًا ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه )) [1] ، فمن نظر لحال هذا الرجل علم أن الله تعالى قد عذره أن لا يقول شيئًا: {ليس على المريض حرج وعلى ... } ولكنه أبى إلا أن يقول الحق لأكثر الناس طغيانًا على وجه الأرض رغم بؤس حاله وإعاقته ضاربًا بالتقية عرض الحائط، فلا يبقى حينئذ حجة للذين يدعون أن هذا الرجل قد قال ما قال تقية، وما قاله الصادق شاهد لنا على أخذ هذا الرجل بالعزيمة دون الرخصة حتى قطعوه إربًا إربًا ولكنه بقي على ثباته وإيمانه، فأين التقية هنا؟!.
أما ما قاله بعض الإمامية بأنه ظل على تقيته في قوله، وأن قوله هذا كان لنصح فرعون وقومه تقية لا دفاعًا عن موسى [2] ، ففيه طعن واضح بإيمان هذا الرجل؛ لأن إيمانه حينئذ يكون لا قيمة له، وقد ثبت عند الفريقين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خير الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) ) [3] ، فلماذا لا يقول هذا المؤمن كلمة الحق ويصدع بما يأمر، وسياق الآية شهد لذلك: {إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} وقد أورد ابن الجوزي في تفسير هذه الآية احتمالين: (( أحدهما: مسرف على نفسه، كذّاب على ربّه، إشارة إلى موسى، ويكون هذا من قول المؤمن، الثاني: مسرف في عناده، كذّاب في ادّعائه، إشارة إلى فرعون، ويكون هذا من قوله تعالى ) ) [4] ، والثاني أرجح لأنه لا يعقل أن يذم المؤمن نبيه الذي يؤمن به تقية،
(1) تفسير القمي: 2/ 257؛ المجلسي، بحار الأنوار: 13/ 162.
(2) ينظر ما قاله ثامر هاشم العميدي، واقع التقية: ص 66.
(3) أخرجه من أهل السنة النسائي، السنن: 7/ 161، رقم 4209؛ ابن ماجة، السنن: 2/ 1330، رقم 4012. أخرجه من الإمامية ابن أبي جهور، عوالي الألي: 1/ 432؛ مجموعة أورام: 2/ 200.
(4) زاد المسير: 7/ 219.