الصفحة 55 من 119

وعليه تدل الرواية المتقدمة عن الصادق، ويدل عليه أيضًا إخلاص هذا المؤمن في إظهار إيمانه ومدافعته عن رسول الله، وقوله كلمة حق عند فرعون، إذ ليس من المعقول - على كل حال - أن يقدم المؤمن ما الطاغوت على الإيمان لأنهما لا يجتمعان في قلب مؤمن كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} [البقرة: 256] ، ونحن قد اثبتنا أن كلام المؤمن هنا لا تقيه فيه، إذ لو كان كذلك لما ذكره الله تعالى في كتابه، ولما مدح قوله وشجاعته في آية تتلى إلى يوم القيامة.

تنبيه مهم:

لا بد من الإشارة هنا إلى قضية مهمة نساها أو تناسها الإمامية في معرض احتجاجهم بهاتين الآيتين، نجد من المناسب إيرادها هنا لكي يتضح للقارئ التناقض العجيب الذي وقعوا فيه بسبب أخذهم المسائل العقدية والفقهية بمعزل عن الأصول العامة للشريعة الإسلامية، وسنبحث هنا حجية الاحتجاج بشرع من قبلنا.

أما فيما يخص شرع من قلبنا فهو يخص الشرائع التي أنزلها الله عز وجل على أنبيائه عليهم السلام وثبوت العمل بها عند الأمم السابقة، فإذا قص القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة حكمًا من هذه الأحكام، ثم قال الدليل على نسخه فلا خلاف بين الأصوليين من أهل السنة في ترك العمل به، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون شرعًا لنا، مثل قوله تعالى على لسان موسى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] .

أما ما وقع الخلاف فيه، فما ما ذكره الله تعالى في الكتاب والسنة من أحكام الشرائع السابقة، ولم يرد في شرعنا ما يدل على أنه مكتوب علينا أو أنه منسوخ أو مرفوع عنا، كقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] قال جمهور الحنفية وبعض المالكية والشافعية: (( إنه يكون شرع لنا وعلينا اتباعه وتطبيقه ما دام قد قص علينا ولم يرد في شرعنا ما ينسخه لأنه من الأحكام الإلهية ... وقال بعض العلماء: إنه لا يكون شرعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت