وقد احتج الشيعة الإمامية بجواز التقية على النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه بقي يتقي قومه لثلاث سنوات قبل أن يعلن عن أمر الدعوة، ولا يخفى على البصير أن هذا الاستدلال من باب النقش على الماء، إذ قد تواتر في كتب السيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ أمر دعوته لقريش قبل هذا التاريخ، وتعرض بسبب ذلك أكثر الصحابة ممن أسلم قديمًا لأذى المشركين، إذ ألهم الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ الدعوة بهذا الشكل السري، وأن لا يعرض أمر الدين الجديد إلا على من يثق في إيمانه وسرعة استجابته، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - خائفًا على نفسه، إذ علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن الله تعالى يحميه ويحفظه، ولذلك تعرضت كل محاولات قريش من ترغيب وترهيب والاغتيال وتربص إلى الفشل الذريع، وبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - كالجبل الشامخ في دعوته استجابة للأوامر الأولى التي تلقها من ربه: {يا أيها المدثر، قم فانذر} .
ولا نريد هنا إلا أن نورد رواية وردت في كتب الفريقين تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلجأ إلى التقية إلى أن ألتحق بالرفيق الأعلى، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟! فنزلت {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} ) ) [1] ، وهذه الرواية وردت في كتب الإمامية أيضًا [2] ، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن هذه الآية نزلت بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث سنوات [3] ، ففيها دلالة واضحة على عدم تقية النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها تبين أن عزيمة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في تبليغ الرسالة، حتى وقف على الصفا ونادى على قريش وأعلن الرسالة للناس كافة، وهذه الرواية وغيرها تنزه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التقية على كل حال، ورضي الله على من قال:
ومن يهجو رسول الله ويمدحه سواء
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين: 4/ 1787 رقم 4492.
(2) ابن شهر آشوب، المناقب: 1/ 42؛ العدد القوية: 342؛ إرشاد القلوب: 1/ 32؛ بحار الأنوار: 18/ 197.
(3) السيرة لابن هشام: 2/ 97. ونقل ذلك عن ابن إسحاق وأقره ابن شهر آشوب في المناقب: 1/ 42.