الصفحة 69 من 119

فبذلك يتبين لك كيف ينظر الإمامية إلى شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم - في محاولة لنسب عقيدتهم في التقية إليه، الأمر الذي ترفضه الأدلة الشرعية وما ثبت عنه من أفعال وأقوال، ولا حاجة لنا لإيراد الأدلة هنا لإبطال هذه المقالة، وإنما نذكر - والذكرى تنفع المؤمنين - بما أخرجه البخاري عن أنس قال: (( جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: اتقِ الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس} ... ) ) [1] .

المداراة والتقية:

من شدة المغالطة التي يلجأ إليها الإمامية في كتبهم وعند مناظراتهم مع أهل السنة أنهم يذكرون الأحاديث الواردة في باب المداراة للاحتجاج بها في باب التقية، وهذا يدل على أنهم يتخبطون في فهم الأدلة الشرعية، ويتناقضون في تفسير أقوال وأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته، ونحاول في هذه العجالة أن نعرف المداراة ونفرق بينها وبين التقية.

فالمداراة اصلها من دريت الظبي: أي احتلت له وختلته حتى أصيده، ومن حيث الاصطلاح هي حسن الخلق والمعاشرة مع الناس، ومنه داريت الرجل أي لاينته ورفقت به [2] ، فالمداراة بهذا المعنى هي خفض الجناح للناس وملاينتهم الكلام خاصة من بدر منه سوء أو فحش خلق، وهي من أخلاق النبيين وصفات الصالحين قال تعالى في حق النبي - صلى الله عليه وسلم: {ولو كنت فضًا غليظ القلب لنفضوا من حولك} وهذه من أقوى الأسباب على ألفة المجتمع، ولا بد من التفريق بينها وبين المداهنة المذمومة في قوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} قال الحافظ ابن حجر: (( وظن البعض أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنه معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك ) ) [3] .

(1) الصحيح، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء: 6/ 2699، رقم 6984.

(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة دري: 14/ 254.

(3) فتح الباري: 10/ 528.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت