الصفحة 70 من 119

ويبدو واضحًا الفرق بين المداراة المرغب بها والمداهنة المذمومة في القرآن الكريم، والمداهنة قريبة جدًا من التقية لأن المداهنة - على ما قال ابن أبي الحديد - هي: (( المصانعة والمنافقة ) ) [1] ، وأبعد القمي في سوء معناها فسماها (غشًا) [2] ، ومثل هذه المعاني قريبة جدًا من التقية كما مر في تعريفها عند الإمامية، خاصة إذا ما عرفنا أن عقيدة التقية هي من مسلمات دين الشيعة الإمامية.

والذي يؤكد كلامنا أن روايات المداراة قد وردت في كتب الشيعة الإمامية، وتضمنت معانٍ قريبة من المعاني الواردة في الأحاديث النبوية، من ذلك ما رواه الكليني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض ) ) [3] ، وروى أيضًا عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من لم يكن فيه لم يتم عمل له: ورعٌ يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل ) ) [4] ، وغيرهما من الأحاديث والروايات الواردة عن الأئمة في كتب الشيعة الإمامية [5] .

ومن هذا القبيل وردت روايات عند أهل السنة في باب المداراة، جعلها الإمامية حجة على أهل السنة لإثبات التقية على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعمدة ما أوردوه في هذه الباب ما أخرجه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه تحت عنوان (باب المداراة) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟! قال: أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه ) ) [6] .

(1) شرح نهج البلاغة: 1/ 331.

(2) تفسير القمي: 2/ 380.

(3) الكافي، باب المداراة: 2/ 116.

(4) الكافي، باب المداراة: 2/ 117.

(5) ينظر الكافي: باب المداراة: 2/ 116 وما بعدها؛ عبد الواحد التميمي، غرر الحكم: ص 444؛ الطبرسي، مشكاة الأنوار: ص 177؛ المجلسي، بحار الأنوار: 72/ 393 وما بعدها.

(6) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المدارة مع الناس: 5/ 2271، رقم 5780؛ صحيح مسلم، كتاب البر، باب مدارة من يتقي فحشه: 4/ 2002، رقم 2591.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت