لا بد من التنبيه أولًا على أن هذا الحديث لم يرد في كتب أهل السنة فقط، بل أخرجه الإمامية أيضًا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في أبواب تشابه أبواب أهل السنة في كتبهم [1] ، ولا نريد أن نكرر ما بحثناه سابقًا من تداخل المصطلحات عند الإمامية وعدم تفريقهم بين التقية والإكراه، وهم هنا لا يفرقون بين المداراة والتقية أيضًا، وتدخل في هذا أوهام كثيرة في أحكامهم، وقد أدى هذا الأمر إلى تناقض رواياتهم وتضارب أحكامهم؛ لأن التقية عند القوم هي الفيصل في التفريق بين الحق والباطل، كما في رواية منسوبة إلى الحسن أنه قال: (( لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا ) ) [2] ، فأين هذه الرواية من المداراة المتقدمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهل يعقل أن تكون هي المقياس في الولاء والبراء إلا عند هؤلاء القوم؟.
والظاهر من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هذا الرجل - واسمه (عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري) وكان رئيسًا بين قومه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الرؤوف الرحيم بأمته يرجو من إقباله عليه تألفة لقومه لأنه كان رئيسهم، والروايات صريحة في ذلك حتى أنه كان يسمى (الأحمق المطاع) ، فهو من المؤلفة قلوبهم ومن جفاة الأعراب كما ذكر غير واحد ممن ترجم للصحابة [3] .
ومن نظر في تاريخ هذا الرجل علم حمقه وسوء خلقه، فقد أرتد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم عاد إلى الإسلام وتاب بعد أن قضي على المرتدين على يد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - [4] ، وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب؟ عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإن هذا من الجاهلين والله
(1) فقد أخرجه الكليني في الكافي، باب (من يُتقى فحشه) : 2/ 326؛ والنوري، مستدرك الوسائل (باب استحباب مداراة الناس) : 9/ 36؛ المجلسي، باب التقية والمداراة: 72/ 401.
(2) جامع الأخبار: ص 95؛ وسائل الشيعة: 16/ 222.
(3) ابن عبد البر، الاستيعاب: 3/ 1249؛ ابن حجر، الإصابة: 4/ 769.
(4) المصادر السابقة.