الصفحة 80 من 119

لقد أجهد علماء الإمامية أنفسهم كثيرًا في تأويل الروايات الواردة عن الأئمة في باب الوضوء والغسل نظرًا لأن هذه الروايات تكاد تكون متقاربة اللفظ في بعض الأحيان مع روايات أهل السنة أو متطابقة المعنى في أحيان كثيرة؛ وما الضير عند الإمامية لو وافقوا أهل السنة في هذه المسائل حفاظًا على وحدة المسلمين كما يتشدقون دائمًا بها ويجعلون التقية عذرًا للتقاعس عنها؟.

ومن هذه الروايات التي وردت عن الأئمة وردها علمائهم بالتقية ما رواه الطوسي عن معمر بن خلاد قال: (( سألت أبا الحسن - عليه السلام: أيجوز للرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال: برأسه لا، فقلت: بماء جديد؟ فقال برأسه: نعم ) ) [1] ، وروى أيضًا عن أبي بصير قال: (( سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن مسح الرأس قلت: أمسح بما في يدي من الندي رأسي؟ فقال: لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح ) ) [2] ، قال الطوسي: (( فالوجه في هذين الخبرين أن نحملها على ضرب من التقية لنهما موافقان لمذاهب كثير من العامة ) ) [3] ، وهذه العبارة معهودة في كتب الطوسي لرد الأخبار الموافقة لمذهب أهل السنة، ولذا حكم معظم فقهائهم بعدم جواز استئناف ماء جديد لمسح الرأس قال (المحقق) الحلي: (( الفرض الرابع: مسح الرأس ... ويختص المسح بمقدم الرأس، ويجب أن يكون بنداوة الوضوء، ولا يجوز استئناف ماء جديد له، ولو جف ما على يده , أخذ من لحيته وأشفار عينيه ... ) ) [4] فلِمَ جعل الإمامية هذه المشقة على أتباعهم بجمع قطرات الماء من لحاهم ومن أشفار أعينهم خشية موافقة العامة؟ مع وجود روايات في كتبهم عن أئمة البيت، فهلا قالوا بالاستحباب، ولكن تعصبهم يأبى إلا مخالفة أهل السنة والجماعة.

أما حكم المسألة عند أهل السنة والجماعة فلم تكن بالتعصب الذي حمله الإمامية على أكتافهم؛ إذ جعل الإمام أحمد الأمر مستحبًا ولم يوجبوه [5] وإليه ذهب المالكية [6] والحنفية [7] ،

(1) التهذيب: 1/ 58؛ صحح الرواية العاملي في مدارك الأحكام: 1/ 211؛ الحلي في مختلف الشيعة: 1/ 297.

(2) وقال عنها الحلي بأنها (موثقة) أي صحيحة: مختلف الشيعة: 1/ 297.

(3) التهذيب: 1/ 58.

(4) مختلف الشيعة: 1/ 298.

(5) المغني: 1/ 87.

(6) مواهب الجليل: 1/ 204.

(7) السرخسي، المبسوط: 1/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت