فإذا ثبت إنكار أهل اللغة لهذه المسألة وموافقة علماء الإمامية المعتبرين لهم، يضاف إلى ذلك الروايات التي تقدمت عن الأئمة في استيعاب الرأس كله، فما الضير عند الإمامية في حمل هذه الروايات على الاستحباب وعدم ردها وحملها على التقية خاصة وهي صحيحة الإسناد، وقد قالها الأئمة بين خاصتهم مما لا مجال للتقية، والأمر الأهم من ذلك كله موافقتها لكلام النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن زيد: (( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ فغسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر وغسل رجليه ) ) [1] ، قال الحافظ ابن حجر: (( والحكمة في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جهتي الرأس بالمسح ) ) [2] ، ومع ذلك فإن فقهاء أهل السنة والجماعة لم يبلغ بهم التعصب في رد الأخبار مبلغ الإمامية فحملوا هذا الاستيعاب على الاستحباب لا على الوجوب وهو الحق إن شاء الله تعالى [3] .
كما رد الإمامية رواية أخرى عن الصادق في إدخال الأذنين ضمن الرأس، وهي ما رواه علي بن رئاب قال: (( سألت أبا عبد الله - عليه السلام: الأذنان من الرأس؟ قال: نعم، قلت فإذا مسحت رأسي مسحت أذني؟ قال: نعم ... ) )الرواية [4] ، وقد حملهما الطوسي ومن جاء بعده من الإمامية على التقية لموافقتها لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد وافق الصادق في قوله هذا فعل جده محمد صلى الله عليه وسلم فيما روته الربيع بنت معوذ ابن عفراء: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما ) ) [5] ، وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الأذنان من الرأس ) ) [6] ، فإذا كانت الموافقة حاصلة بين أهل البيت والنبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا تركها الإمامية تقية؟، اللهم إلا لغاية في أنفسهم وهي مخالفة أهل السنة والجماعة.
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب: 1/ 83، رقم 194.
(2) فتح الباري: 1/ 293.
(3) ابن قدامة، المغني: 1/ 87.
(4) التهذيب: 1/ 62؛ الإستبصار: 1/ 61؛ الوسائل: 1/ 405.
(5) سنن الترمذي: 1/ 48؛ سنن أبي داود: 1/ 31.
(6) سنن الترمذي: 1/ 35؛ سنن ابن ماجة: 1/ 152. قال عنه الألباني صحيح، صحيح الجامع: رقم 2765.