أما دعاء العبادة فهو مقاومة النفس وقهرها بالاستغفار والتوبة من ذنبها، فيذللها الموحد لأوامر ربها، وكذلك قهر الشيطان الرجيم بالاستعاذة بالله السميع العليم، وقهر الشبهة والجهل باليقين ونور العلم، وقهر كل ظالم جبار بالاستعاذة بالقاهر القهار، (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيى نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128) ، كما أنه من دعاء العبادة باسم الله القهار أن يلين المسلم للمسلمين ويحنوا على اليتامى والمستضعفين ويعفو عن المسيئين عند المقدرة وفي مسند الإمام أحمد وهو صحيح لغيره من حديث عَبْد الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (ثَلاَثٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ لاَ يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا وَلاَ يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ) والله عز وجل يقول لنبيه: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى:10) .
الاسم الثالث والخمسون من أسماء الله الحسنى هو اسم الله الأكرم، فقد سمي الله نفسه به على سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا على الوصفية في موضع واحد من النصوص القرآنية، وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه، في قوله تعالى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) (العلق:3) ، وعند صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حتى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) ، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)، فاسم الله الأكرم دل على صفة الإكرام وهي صفة فعل من أفعال الله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء:70) وقال الإمام البخاري: (كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِد ٌ) ، فالأكرم اسم دل على الإكرام وهو وصف فعل.
وفي صحيح البخاري كتاب الجنائز من حديث خَارِجَة بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ أُمَّ الْعَلاَءِ وهي امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قالت عند وفاة عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: (دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِي صلي الله عليه وسلم وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ فَقَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) ، وفي صحيح البخاري كتاب الجهاد من حديث أَنَس رضي الله عنه أن الأَنْصَارُ كَانَتِ تَقُولُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَي الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا فَأَجَابَهُمُ النَّبِي صلي الله عليه وسلم فَقَالَ اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهْ فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.
والأكرم اسم دل على المفاضلة في الكرم، فعله كرم يكرم كرما، والأكرم هو الذي لا يوازيه كرم ولا يعادله في الكرم نظير، وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم، لكن الفرق بين الكريم والأكرم أن الكريم على الأغلب دل على صفة من صفات الذات والأكرم على الأغلب دل على صفة من صفات الفعل، والله عز وجل لا كرم يسموا إلى كرمه ولا إنعام يرقى إلى