ويتضح من توجيه القراءة أن الفعل (تغشى) تارة أسند إلى (النارُ) فهي الفاعل و (وجوهَهم) مفعول به، وتارة أسند إلى (وجوههُم) فهي للفاعل والنار مفعول به، فالمرفوع منهما هو الفاعل.
وعلى هذا فليست القراءة من باب العكس في الحركات الإعرابية وإنما من باب العكس في الإسناد نفسه، فلا تكون من باب نصب الفاعل ورفع المفعول ألبتة.
ومنها قوله تعالى [1] : {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} قرأ زيد بن علي: (لن ينال اللهُ لحومَها ولا دماءَها) بالنصب في (لحومها) و (دماءَها) والفاعل لفظ الجلالة [2] .
قال أبو حيان: (( والمعنى: لن يصيب رضا الله اللحومُ المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر ... وقرأ زيد بن علي(لحومَها ولا دماءَها) بالنصب )).
وقد سبق نظيرٌ لهذه القراءة عند قوله تعالى [3] : {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وتبيَّن أنَّ الفعل (نال) من الأفعال التي تفيد المشاركة في الفعل؛ فإن كل ما نالك فقد نلته كما تقول: نلت خيرك، ونالني خيرك. ولهذا صحَّ نسبة الفعل تارة إلى (الله) فهو الفاعل، وتارة إلى (اللحوم) فتكون هي الفاعل، وصحةُ الإسناد إلى كل منهما تبطل القول بأن هذه القراءة دليل على جواز نصب الفاعل ورفع المفعول، وذلك أن المرفوع فيها هو الفاعل.
(1) الحج من الآية: (37)
(2) ينظر في هذه القراءة: البحر المحيط: 6/ 343، والدر المصون 8/ 281، وروح المعاني 17/ 158
(3) البقرة من الآية: 124