فمن قَبِل هذا المبدأ، وأعلن استسلامه له قَبِل المسلمون إعلانه هذا واستسلامه، ولم يتفشوا عن نيته، وما يخفي صدره، وتركوا هذا لله الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور:
{فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير} .
تنبيه لابد منه
لقائل أن يقول: إذا كانت فتنة الكفار تندفع بقتالهم وجهادهم، فلماذا لم يفعل ذلك المسلمون في صدر الإسلام في مكة، رغم اشتداد المحنة، وتفاقم الفتنة؟
والجواب على ذلك يمكن إيجازه في سبعة أمور [1] :
1 -أن الكف عن القتال في مكة ربما كان لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة تربية الفرد على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حين يقع عليه، أو على من يلوذون به.
2 -أن الدعوة السليمة كانت أشد أثرًا، وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية، والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد، ونشأة ثارات دموية.
3 -لاجتناب إنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت، إذا لم تكن هنالك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين، وإنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد، ولو أذن بالقتال لوقعت معركة ومقتلة في كل بيت، ثم يقال: هذا هو الإسلام.
4 -لما يعلمه الله - عزّ وجل - من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون
(1) انظر الأمور مفصلة في: (الظلال) (2/ 714) . ومعالم في الطريق، ص77. والولاء والبراء في الإسلام، ص169 وما بعدها.