الصفحة 32 من 76

لكن طوائف أخرى تلبس الحق بالباطل، فيغتر بها الناس، ويقبلون ما عندهم من الحق والباطل بلا تمييز، وهذه الفتنة المتمثلة في محاولة هؤلاء إضلال الناس تحتاج إلى صبر ومجاهدة في بيان الحق للناس، وتحذيرهم من ضده، وتحتاج كذلك إلى وجود قيادات سُنية طاهرة، يتبعها الناس؛ لأن العامة من الناس في كل زمان لا تملك التمييز بنفسها، بل بواسطة من تثق به من العلماء الربانيين الصابرين [1] .

ولابُد كذلك من الصبر عند مواجهة الفتنة المتمثلة في الحرب الكلامية التي يعلنها اليهود والنصارى لتشويه دعوة المؤمنين، وتلويث سمعتهم، والتشكيك في سيرتهم وسريرتهم، إنها حرب أسلحتها الدس والتحريف والافتراء، فلابُد للمؤمنين عند مواجهة هذه الفتنة أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال مكارهها، ويصبروا على تجرع غصصها حتى يحق الله الحق، ويبطل الباطل، قال الله - تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [2] .

وههنا أمر مهم جدًا يتعلق بعلماء الإسلام ودعاته، الذين يتعرضون للفتنة والمحنة، بسبب دعوتهم إلى الله - تعالى - إذ لابد لهم عند مواجهة الفتنة من الصبر والاحتمال، وإلا وقعوا في فتنة أعظم، وبلية أكبر.

هاهو القرآن العظيم يحث نبي الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وهو موعظة لكل مؤمن يسير على نهجه - عليه الصلاة والسلام - يحثه على مواجهة فتنة قومه بالصبر والمصابرة في أكثر من موضع من القرآن الكريم: {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيق مما يمكرون} [3] . فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم

(1) انظر (من وسائل دفع الغربة) ص223،224.

(2) آل عمران: (186) .

(3) النحل: (127) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت