المقاصد الضرورية في التشريع, وجعل إحياء نفس كإحياء أنفس الناس جميعا, قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (الأعراف: 32) , ولاشك أن إسعاف من تقتضي حالته ذلك وإجراء العلاج والمداواة له دون انتظار إذن في ذلك, إن كان في حالة الخطر, يعد حفظا لحياته وردا لمهجته وصحته الذاهبة, وذلك واجب على من يباشره.
يضاف إلى هذا أن في تأخير إسعاف أو علاج من هذا حاله إلى أن يحصل علي إذن بذلك, فيه تعريض له للهلاك, أو إتلاف عضو من أعضائه أو ذهاب منفعة هذا العضو, وذلك منهي عنه شرعا, فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ضرر ولا ضرار» , وهو نفي بمعنى النهي, وفيه عموم في النهي عن كل ما ينشأ عنه الضرر, ولأن الحفاظ على نفس الآدمي المعصوم إحدى الضروريات الخمس في الشريعة, ولا يتأتى الحفاظ على نفس المريض أو المصاب إلا بإجراء ما يسعفه ويعالجه, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, كما تقرر في القواعد الأصولية FT [1] TF, فيكون قيام الطبيب بكل إجراء طبي من شأنه الحفاظ على نفس معصوم الدم أو ما دونها واجب وإن لم يصدر له الإذن به, وحتى على القول بأن ممارسة العمل الطبي على مريض أو مصاب بدون إذن من صاحب الحق فيه, غير مشروع, إلا أن الخوف على المريض أو المصاب من الهلاك أو الضرر, تجعل إسعافه أو علاجه حال ضرورة ملجئة إلى فعل غير مشروع, وقد أباح الشارع المحرم عند الاضطرار إليه, قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام: 119) , حيث أسقط الله سبحانه وتعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة إليه، فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه، فيكون عند الضرورة إليه حلالًا, لأن الاستثناء من الحظر إباحة.
(1) السبكي: الإبهاج 1/ 131, البعلي: القواعد والفوائد الأصولية 1/ 101.