المقصد الثالث
امتناع من له حق الإذن عنه
إن التداوي من المرض كما سبق مستحب وفقا للراجح من آراء الفقهاء, ومن ثم فإن الممتنع عن الإذن في إجراء العمليات الطبية, سواء كانت إسعافية أو جراحية أو علاجية أو نحوها, إما أن يكون هو المريض الذي تأهل لصدور الإذن منه في ذلك, أو يكون وليه إذا انتفت أهلية المريض لصدور الإذن منه, أو كان أهلا له إلا أنه بحالة لا يمكن معها الحصول على إذن منه, كأن كان في غيبوبة أو مغمى عليه أو مصابا في حادث, أو لا تمكنه ثقافته المعرفية أو خبرته أو ظروفه النفسية أن يوازن بين المصالح والمفاسد من إجراء العمل الطبي.
فإن امتنع المريض عن الإذن في علاج نفسه أو إسعافه أو مداواته, وكان امتناعه عنه مؤديا إلى ترك مداواته, فإنه يكون آثما باعتباره ساعيا في إهلاك نفسه أو إلحاق الضرر به, إن كان من شأن ما أصابه ذلك, وإذا كان من شأن السفيه المبذر لماله أن يمنع من التصرف في ماله, ويفرض الحجر عليه في التصرفات المالية, والمال أدنى شأنا من نفس الإنسان وصحته, فإن امتناع المريض عن الإذن في العمل الطبي الذي يفتقر إليه, أشد ضررا من تبذيره ماله الذي اقتضى عدم الاعتداد بتصرفاته المالية, فيقتضي التحول بهذا الإذن إلى من له ولاية عليه, فإن أذن وإلا رفع أمره إلى ولي الأمر, الذي يكون له الإذن في إجراء العمل الطبي الذي يرد على هذا المريض صحته الذاهبة, أو يحفظ عليه مهجته, أو يبقي عليه حياته, باعتبار أن ما يأذن فيه يحقق مقصود الشارع من العمل الطبي, ولأن ولاية ولي المريض أو المصاب نظرية, تراعي مصلحة المولى عليه, وامتناع الولي عن الإذن في إجراء العمل الطبي لا مصلحة فيه للمريض المولى عليه, بل فيه ضرر به, خاصة إذا كان العمل الطبي المطلوب الإذن فيه لإنقاذ المريض من خطر محدق به, لا يحتمل الإبطاء: كالتهاب الزائدة الدودية, أو النزف الشديد, أو احتاج المريض