الصفحة 2 من 194

وقد نظرت إلى أمتى الإسلامية، واستشعرت عجبا من مواقفها! أنا وصاحبى نؤمن بجملة العقائد المطلوبة، وأنا وهو مشغولان بما يستنفد العمر وفاء بأعباء الحق وتكاليفه، ومع ذلك نهدر الكثير المتفق عليه، ونحتفى بالقليل الذى يطق فيه خلاف! أنا وهو مثلا نؤمن بأن الله حق، وأنه واحد، وأنه لاشريك له، وأنه لا يشبه المخلوقات"ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".. وتبعات هذا الإيمان المجمع عليه كثيرة في ميادين الأخلاق والأعمال، والدعوة والجهاد، وشئون الحياة كلها .. ومع ذلك فقد يرد في دين الله مثلا أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، فيغفر للمستغفرين، ويجيب السائلين .. إلخ فنقول جميعا: يستحيل أن يكون النزول على حقيقته المادية، يخلو منه المكان الذى تركه، ويشغل به المكان الذى قصده، ونتفق على أنه على كل شىء شهيد ومهيمن ومقتدر إلخ، ثم يقول بعضنا: المقصود بالنزول التجلى، ويقول الآخر: هو نزول يخالف ما نألف، ولا ندرى كنهه .. هل هذا التفاوت في الفهم أو التعبير، في هذه القضية وأشباهها، يجعل الأمة أحزابا متباغضة، وأقساما متنافرة، وفرقا يضرب بعضها بعضا، كى يهى صفنا كله أمام الكافرين بالله، الكارهين لوحدانيته وجلاله؟! لقد تدبرت هذه الحال ونتائجها، وتذكرت قول رسولنا:"ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل"بل لقد ساءلت نفسى: هل المولعون بقضايا الخلاف، صغراها وكبراها، والذين يحشدون أفكارهم ومشاعرهم وأوقاتهم للانتصار فيها، والفرح نجذلان مخاليفهم، هل هم مخلصون للقضايا المتفق عليها؟ لماذا ننسى القواعد التى تجمعنا، ونهش للدروب التى نتفرق فيها. .؟

ص _007

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت