والحكم على عنعنة المدلس ليس لها ضابط مطرد، بل هو كأغلب أحكام المتقدمين يعتمد على السبر وتتبع الروايات والنظر في أحوال الرواة والمتون، إلا أنه من الممكن استخلاص بعض الأحكام العامة في ذلك كما يلي:
أعلم أولًا أن الرواة المتهمين بالتدليس على قسمين:
القسم الأول: من أكثر من التدليس جدًا وكان غالبًا على حديثه، فمن كانت هذه صفته فإن الحكم في روايته التوقف حتى يثبت الاتصال لأن الغالب عليه التدليس، وليس في الثقات الحفاظ أحد هذه صفته، بل يوجد فيمن ضعفوا أو فيمن صفتهم الصدق وإن كان قد تكلم فيه بعض الأئمة كبقية بن الوليد والحجاج بن أرطأة وأبي جناب الكلبي ونحوهم، وكثير من هؤلاء إنما ضعفوا لأجل التدليس، وهؤلاء ليسوا محل بحثنا هنا.
القسم الثاني: من دلس أحيانًا أو كثيرًا ولكن لم يغلب على حديثه كالقسم السابق، فحكمه أن روايته الأصل فيها الاتصال حتى يتبين الانقطاع أو التدليس مهما كانت الصيغة (التحديث أو العنعنة أو غيرها) ، وهؤلاء هم الحفاظ كقتادة والأعمش وهشيم والثوري وابن جريج والوليد بن مسلم ونحوهم ـ على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر تطبيقات السلف على روايات المدلسين ـ.
والأدلة على ما ذكرت تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أدلة نظرية.
القسم الثاني: أدلة تطبيقية.
القسم الأول: الأدلة النظرية
الدليل الأول: عنعنة المدلسين في الصحيحين