الصفحة 81 من 155

المقام الثاني: وهو في إثبات أن العنعنة تكون من تصرفات الرواة عن المحدث لا من قول المحدث في الغالب

فمن تتبع نقول العلماء وتصرفاتهم والنظر في الأسانيد يتضح أن العنعنة في الغالب تكون من تصرفات من دون المدلس، وهذا الأمر يعتمد اعتمادًا على جمع الطرق وعلى القرائن المحتفة بالأسانيد والرواة ونحو ذلك. وتغيير الصيغة التي حدث بها الراوي تكون على قسمين:

القسم الأول: الانتقال من أي صيغة حدث بها المحدث إلى العنعنة

وذلك كأن تكون صيغة أداء المدلس ـ أو الراوي عمومًا ـ هي (حدثنا) أو (أخبرنا) أو (قال) ونحوها مما فيه التصريح بالتحديث أو لا، فيتصرف فيها الراوة عنه ويجعلونها بالعنعنة، وهذا الأمر كثير جدًا من فعل الثقات الحفاظ ومن دونهم، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

دلالة اللغة: فإن (عن فلان) جار ومجرور لا بد لها من متعلق (1) ، والمتعلق يكون

ظاهرًا في الغالب، فقول الراوي (حدثنا فلان عن فلان) يدل على أن قوله (عن فلان) متعلق بالفعل (حدثنا) فالفعل ومتعلقه قال المعلمي (2) رحمه الله:

(اشتهر في هذا الباب(العنعنة) ، مع أن كلمة (عن) ليست من لفظ الراوي الذي يذككر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه، وذلك كما لو قال همام (حدثنا قتادة عن أنس) فكلمة (عن) من لفظ (همام) لأنها متعلقة بكلمة (حدثنا) وهي من قول (همام) ، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ فيقول (فلان ... ) كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من (فتح المغيث) وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات (قال) في أثناء الإسناد قبل (حدثنا) و (أخبرنا) ،

(1) يجوز أن يكون المتعلق مقدرًا، ولكن في حالات لا يوجد فيها المتعلق مذكورًا، لذلك يندر أن تجد إسنادًا كله بالعنعنة لا يوجد فيها (حدثنا أو أخبرنا) .

(2) التنكيل) 1/ 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت