الصفحة 31 من 155

لا بد لمعرفة حكم التدليس عند الأئمة المتقدمين أن نعرف أولًا مقصودهم بهذا المصطلح، ولا يكفي في ذلك أن نرجع إلى ما كتبه المتأخرون عنه، بل لا بد من الرجوع لأهل الشأن الأسبقين، فإن كثيرًا من الأخطاء قد تحصل بسبب حمل كلام المتقدمين وتفسيره على حسب مصطلحات المتأخرين وترتيب الأحكام بناءا على ذلك مع كونها مخالفة لها، وهذا عام يشمل تفسير نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف وغير ذلك، وأمثلة ذلك كثيرة جدًا.

وقد نبه على ذلك كثيرًا من الأئمة كشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، وإليك على سبيل المثال نماذج لبعض الأخطاء التي تترتب عند حمل نصوص المتقدمين على المصطلحات الحادثة:

الحد: فإنه في الشرع يراد به الفصل بين الحلال و الحرام.

كما قال الله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأؤلئك هم الظلمون) (البقرة:229) وقوله تعالى: (تلك حدود الله فلا تقربوها) (البقرة: 187) وقوله تعالى: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (الطلاق: 1)

واصطلح الفقهاء فيما بعد على تخصيص (الحد) بالعقوبة الشرعية المقدرة كالقطع في السرقة والجلد في القدف ونحوها , ثم إن بعض الفقهاء أراد تفسير النصوص الشرعية بالمصطلح الحادث , ففسر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) بإنه الحد المصطلح عليه عند الفقهاء , مع أنه مصطلح حادث،

فمنع بناءا على ذلك أن يجلد فوق عشرة أسواط في أي تعزيز أو معصية تنتهك فيها محارم الله ما لم تكن حدا بناءا على هذا الفهم.

القضاء: فإنه في اللغة ونصوص الكتاب والسنة يأتي بمعنى الأداء والإتمام كقوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة) (الجمعة: 10) وقوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم) (البقرة: 200) وقوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) (النساء: 103) ونحوها.

واصطلح الفقهاء فيما بعد على تخصيص القضاء بفعل العبادة بعد الوقت والأداء بفعلها في الوقت.

ثم أراد بعضهم تفسير النصوص الشرعية على حسب المصطلح الحادث , فاستدل بعضهم على أن المسبوق إنما يقضي أول صلاته بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في المسبوقين - (وما فاتكم فاقضوا) , وهذا مصطلح حادث , فشرع له قراءة الاستفتاح في أول ركعة يقضيها بعد سلام الإمام و قراءة السورة بعد الفاتحة ونحو ذلك

النسخ: فإنه يطلق عند الصحابة و السلف على صرف ظاهر النص أو الحكم عن ما يظن به أولا كتخصيص عموم أو تقييد مطلق أو بيان مجمل ونحوه.

واصطلح الأصوليون فيما بعد على أن النسخ هو رفع الحكم الشرعي , ثم فسر كثير من الفقهاء كلام السلف بإن (الآية كذا و كذا منسوخة) أو أن (الحكم هذا منسوخ) على المصطلح الحادث الذي هو رفع الحكم كله وقد لا يكون مقصودا لهم.

الكراهة: فإن الكراهة عند السلف تطلق على المكروه تحريما و تنزيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت