واصطلح المتأخرون على أن المكروه هو ( ما يثاب تركه ولا يعاقب فاعله ) , ثم إنهم فسروا كثيرا من نصوص السلف في قولهم ( أكره كذا وكذا ) على الكراهة الاصطلاحية الحادثة بعدهم.
وهكذا و الأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا (1)
والمقصود من هذا كله: أنه لا بد من معرفة المراد بمصطلح التدليس عند المتأخرون المتقدمين حتى لا نقع في الخطأ فنفسر نصوصهم بما اصطلح عليه المتأخرون وقد لا يكون مرادا لهم سبق , فنقول:
التدليس مأخوذ من ( الدلس ) بالتحريك وهو الظلمة , والمقصود به عندهم ( مطلق الإيهام ) , فلو روى أحد عن آخر موهما - بقصد أو بغيره - غير الحقيقة فهو تدليس ( في الجملة ) .
ويتناول صورا عدة منها:
( الصورة الأولى )
وهي رواية الراوي عمن لقبه وسمعه ما لم يسمعه منه
وهذه الصورة هي الصورة المشهورة عند المتأخرين ، بل خصص الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تدليس الإسناد (2) بها ، وتبعه عليه كثير ممن جاء بعده .
قال يحيى بن معين (3) :
( سمعت يحيى يقول: الأعمش سمع من مجاهد ، وكل شئ يروي عنه لم يسمع(4) إنما مرسله مدلسة ) اهـ .
فالأعمش سمع من مجاهد أحاديث وروى عنه أحاديث لم يسمعها منه بل سمعها من غيره ، قال عبد الله بن أحمد (5) :
( قلت لأبي: أحاديث الأعمش عن مجاهد عمن هي ، قال: قال أبو بكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته ؟ في شئ رواه عن مجاهد .
قال: مر كزاز بالفارسية ، حدثنيه ليث عن مجاهد ) اهـ .
(1) وقد رأيت في هذه الأمثلة أن أكثر الاختلاف بين مصطلحات المتقدمين والمتأخرين هو أن المتأخرين في الغالب يخصصون مصطلح المتقدمين ببعض أفراده ، وقد جمعت في ذلك بحثًا بعنوان ( اختلاف الاصطلاحات وأثر ذذلك في فهم النصوص ) .
(2) انظر مثلًا: ( النكت ) 2/614 ، ( طبقات المدلسين ) ص16 .
(3) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال ) ص46 .
(4) لعل المقصود ( لم يصرح بالسماع ) .
(5) العلل ومعرفة الرجال ) للإمام أحمد 1/255 .