الصفحة 32 من 155

واصطلح المتأخرون على أن المكروه هو ( ما يثاب تركه ولا يعاقب فاعله ) , ثم إنهم فسروا كثيرا من نصوص السلف في قولهم ( أكره كذا وكذا ) على الكراهة الاصطلاحية الحادثة بعدهم.

وهكذا و الأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا (1)

والمقصود من هذا كله: أنه لا بد من معرفة المراد بمصطلح التدليس عند المتأخرون المتقدمين حتى لا نقع في الخطأ فنفسر نصوصهم بما اصطلح عليه المتأخرون وقد لا يكون مرادا لهم سبق , فنقول:

التدليس مأخوذ من ( الدلس ) بالتحريك وهو الظلمة , والمقصود به عندهم ( مطلق الإيهام ) , فلو روى أحد عن آخر موهما - بقصد أو بغيره - غير الحقيقة فهو تدليس ( في الجملة ) .

ويتناول صورا عدة منها:

( الصورة الأولى )

وهي رواية الراوي عمن لقبه وسمعه ما لم يسمعه منه

وهذه الصورة هي الصورة المشهورة عند المتأخرين ، بل خصص الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تدليس الإسناد (2) بها ، وتبعه عليه كثير ممن جاء بعده .

قال يحيى بن معين (3) :

( سمعت يحيى يقول: الأعمش سمع من مجاهد ، وكل شئ يروي عنه لم يسمع(4) إنما مرسله مدلسة ) اهـ .

فالأعمش سمع من مجاهد أحاديث وروى عنه أحاديث لم يسمعها منه بل سمعها من غيره ، قال عبد الله بن أحمد (5) :

( قلت لأبي: أحاديث الأعمش عن مجاهد عمن هي ، قال: قال أبو بكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته ؟ في شئ رواه عن مجاهد .

قال: مر كزاز بالفارسية ، حدثنيه ليث عن مجاهد ) اهـ .

(1) وقد رأيت في هذه الأمثلة أن أكثر الاختلاف بين مصطلحات المتقدمين والمتأخرين هو أن المتأخرين في الغالب يخصصون مصطلح المتقدمين ببعض أفراده ، وقد جمعت في ذلك بحثًا بعنوان ( اختلاف الاصطلاحات وأثر ذذلك في فهم النصوص ) .

(2) انظر مثلًا: ( النكت ) 2/614 ، ( طبقات المدلسين ) ص16 .

(3) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال ) ص46 .

(4) لعل المقصود ( لم يصرح بالسماع ) .

(5) العلل ومعرفة الرجال ) للإمام أحمد 1/255 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت